المنتدى العالمي للسادة الأشراف الشاذلية المشيشية

المنتدى الرسمي العالمي للسادة الاشراف أهل الطريقة الشاذلية المشيشية - التي شيخها المولى التاج المقدس العميد الاكبر للسادة الاشراف أهل البيت مولانا السيد الإمام نور الهدى الإبراهيمي الاندلسي الشاذلي قدس الله سره
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الحكم العطائية شرح وتحليل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بسمة امل

avatar

عدد الرسائل : 283
تاريخ التسجيل : 09/01/2009

مُساهمةموضوع: الحكم العطائية شرح وتحليل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي   الأربعاء 18 مارس 2009 - 11:12



الحمد لله رب العالمين حمد العباد الشاكرين حمدا كثيرا يوافي نعمه و يكافئ مزيده...
اللهم صلي على سيدنا محمد الفاتح لما اغلق و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق و الهادي الى صراطك المستقيم و على اله حق قدره و مقداره العظيم,صلاة تفتح لنا بها ابواب الخير و التيسير و تغلق بها عنا ابواب الشر و التعسير و تكون لنا بها وليا و ناصرا انت ولينا و مولانافنعم المولى ونعم النصير ...
اخوتي,احببت أن أقدم واحدا من أروع و أكثر الكتب لمسا للقلوب و تأثيرا فيها و تزكية للنفوس,تلكم هي " الحكم العطائية، شرح و تحليل" و هذا الكتاب هو شرح لحكم قمة في البلاغة،و فيها ما يحتاجه القلب للحياة، و النفس للسمو,وذلك مراد يجري و راءه كل مسلم..
فبالله نستعين و عليه التكلان، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم لا فهم لنا إلا ما فهمتنا إنك أنت الجواد الكريم
..


الحكمة الأولى:
من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند وجود الزلل

شرح الحكمة:

يقول ابن عطاء الله: "إياك أن تعتمد في رضا الله عنك و في الجزاء الذي وعدك على عمل قد فعلته، بل اعتمد على لطف الله و فضله و كرمه" وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث رواه البخاري ( " لن ُيدخل أحدكم الجنةَ عمله" قالوا: و لا أنت يا رسول الله، قال " و لا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته"). فالحديث يبين أن العمل ليس ثمنا للجنة. و من بين أبرز دلائل اعتمادنا على أعمالنا هو نقصان رجائنا في عفوه تعالى لما يقل عملنا و تكثر ذنوبنا.

هنا نطرح سؤالا: هل نستحق الجنة بعرق جبيننا أي بالعبادات و الطاعات التي نقوم بها ؟
الجواب هو لا، ذلك أننا إن قلنا كذلك كأننا نقول أن الله رصد ثمن الجنة عباداتنا و طاعاتنا، و من ثم إن قمت بواجبي على أحسن ما يرام أكون مستحقا لقبض المبلغ...و هذا مما لا يجوز ذلك أنه منطق تعامل العبد مع أخيه العبد، أما تعامل العبد مع ربه، فلا يصح أبدا، لأن الله هو مالك كل شيء و هو من وفقنا لأداء تلك العبادات و الطاعات، قال تعالى (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) الحجرات:17.

فالعمل ليس بقدرة ذاتية، فقط تذكر حين تقول " لا حول و لا قوة إلا بالله" فلا حول من المعاصي و لا قوة على الطاعات إلا بالله عز و جل.

إذن فما معنى قوله تعالى (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) النحل:32؟
و الجواب على ذلك:
1- أن الكلام هو من طرف واحد هو الله و ليس من طرفين متعاقدين
2- جعل الله العمل سببا لدخول الجنة تفضلا منه و إحسانا
فالواجب أن نقوم بما أمرنا الله به و نطمع في كرمه عز و جل و عفوه

و قد يسأل سائل: لماذا إذن نعبد الله مادامت رحمته هي ما تدخل الجنة؟

و الجواب أن العبادة حق الله على عبيده، و الجنة منحة و عطية منه عز و جل، قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الأعراف:156. و هذا مغزى العبودية، أن تؤدي العبادة على حقها ثم تتقمص دور المتسول الذي يسأل الجود و الإحسان من أهله.

و عودة إلى الحكمة...
فالمغزى العام منها ألا تعتمد على العمل حينما توفق إليه و ألا يقل الرجاء عند التقصير، ففي كلتي الحالتين نتطلع إلى جود الله و كرمه بقدر ما نخاف مقته و عقابه، و من ثم ينبغي أن يكون شعوران يتجاذبان أبدا، شعور الأمل في فضل الله و عفوه و هو الرجاء، و شعور الخجل و الخوف من غضبه.

إذن، كيف لا ينقص رجائي؟
ادخل باب التوبة، فلا رجاء و أنت مصر على المعصية. و التوبة تجعل الرجاء في نفس العاصي مزدهرا...

و احذر أخيرا...
أن يزداد رجاؤك كلما زدت إقبالا على الله، فذلك كذلك من علامة اعتمادك على عملك، فإنك إن فعلت قد يصل بك ذلك إلى أن تزداد ثقة بمثوبة الله عز و جل فيأتي يوم و تجزم أنك من أصحاب الجنة، و السبيل للابتعاد عن هذا المنزلق أن تتذكر أن حقوق الله على العباد لا تؤدى بالطاعات مهما كثرت، بل هي باقية.

و خلاصة الحكمة، أن المسلم يجب أن يعبد الله لأنه عبده و لأن الله ربه، و لا ينتظر مقابل عبادته الجنة فإنما هي منحة و تفضل منه عز و جل و نقول كما قال الشاعر:
فإن يثبنا فبمحض الفضل....و إن يعذب فبمحض العدل


الحكمة الثانية:
إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، و إرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية



شرح الحكمة:

هذه الحكمة تدور على شيئين: الأسباب و التجريد
فالإنسان هو بين الحالتين:

1- حالة الأسباب: فيجد الإنسان نفسه متقلبا في سلطان الأسباب لا مناص له من التعامل مع أسباب يتعامل معها و يتحرك فيها
2- حالة التجريد: أي أن الإنسان يجد نفسه معزولا عن سلطة الأسباب، فتكون بعيدة منه و عن المناخ الذي أقامه الله فيه.

و من ثم فالإنسان يجب أن يتعرف على حالته، و يتعامل معها، فلا يعمل هواه !

و لنأخذ أمثلة لفهم الحكمة:
1- رب أسرة: فهو في حالة الأسباب، و هي البحث عن الرزق لأولاده، فإن قال أنا لي اليقين في قوله تعالى (فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ) العنكبوت: 17، و أن الأسباب المادية هي من الله، و من ثم أنقطع للعبادة و التسبيح و لا أبحث عن الرزق، فذاك من الشهوة الخفية الغير معلنة، و هو في ذلك يتعامل مع الأسباب لا مع المسبب، و ذلك من سوء الأدب مع الله عز و جل ! فالعمل الصالح لا يقتصر على العبادة، فمثل حال رب الأسرة، التبسم في وجه زوجته و أولاده، و تربيتهم و البحث عن الرزق من أجلهم هو من العبادة إن استقامت النية و أريد بها وجه الله.

2- طالب علم: فهو في عالم التجريد، فالله قد أقام له من بتكلف برزقه، فإن كان يركن إلى الدعة و الكسل و يشرب و يأكل و ينام فهو بعيش عيشة البهائم، و إن كان القصد دراسة دين الله و خدمة شرائعه، فهذا نهج سليم و علامة النفوس العلية و الهمم السامية.

3- الحج: ناس توجهوا حجاجا إلى بيت الله الحرام، فمنهم المتحررون من كل القيود، المتفرغون للعبادة فقط فهؤلاء قد أقامهم الله في عالم التجريد، و آخرون يسهرون على راحة الطائفة الأولى كالأطباء مثلا فهم في حالة الأسباب أقامهم الله فيها في فترة الحج، فإن أهمل طبيب مهمته الأساسية فقد أهمل الوضع الذي أقامه الله فيه و كان إنسانا عابثا بنظام هديه عز و جل.

4- رجل يعمل و يكد في البحث عن رزقه طوال اليوم، فهو في عالم الأسباب، و عندما يرجع إلى بيته في المساء، فهو يقبل على الاستزادة من العلم، و على الطاعات، فهو في عالم التجريد.

و هكذا من الحكمة نستنتج أن العمل الصالح هو:

-لمن أقيم في عالم التجريد، طلب علم، و طاعات و دراسة دين الله.
-لمن أقيم في عالم الأسباب، يتمثل في خدمة أمته، و الإخلاص في أداء مهمته.

لكن...
لا ننسى أن هناك طاعات يشترك فيها كل الفئات



الحكمة الثالثة:
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار


شرح الحكمة:

هذه حكمة تتمم الحكمة التي قبلها...

الهمم هي العزائم التي يمتع الله بها في مجال الإقبال على شؤونهم الحياتية، و مهما اشتدت و قويت هذه العزائم فإنها لا تخرق أسوار الأقدار...

هذه الحكمة تثير مسألة القضاء و القدر.

و لنعرف بدءا القضاء و القدر:
فالقضاء هو علم الله الأزلي بكل ما يجري في المستقبل.
و القدر هو وقوع الأشياء طبقا لهذا العلم الأزلي.

و هذان المعنيان (أي القضاء و القدر) منها ما يقع دون أن يكون للإرادة الإنسانية دخل كالموت و المصائب و الأمراض و العاهات، و منها ما يقع على إثر إرادة و قصد من الإنسان كالدراسة و التجارة و الزراعة.

و كلا النوعين هما في علم الله، و يخضعان لقضاء الله و قدره، و هذه الحكمة تجيب على من يعكف على سبب من أسباب الرزق في عمل غير مشروع، و يحتج أن الله أقامه في عالم الأسباب و أن عليه السعي للبحث عن الرزق، فتأتي هذه الحكمة لتقول لهذا الشخص أن رزقه كثيرا كان أم قليلا، فإنه مكتوب في علم الله، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات: 58 و في آية أخرى (فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ) العنكبوت:17، و في الحديث الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد…)

و هنا قد يسأل سائل: إن كان الرزق مسطرا في علم الله ففيم السعي وراءه إذن و لماذا نتعامل مع الأسباب؟؟
و الجواب لأن الله عز و جل أقامنا في خضم الأسباب و أمرنا بالتعامل معها مع اليقين أن الفاعلية (النتيجة) هي تبع لإرادة الله و حكمه، و كل القوانين و الأنظمة الكونية إنما هي من تدبير الله عز و جل، فانظر إلى الآيات التالية ( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) البقرة: 255، و قوله عز و جل (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) الروم: 25، و قوله أيضا ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) فاطر:41.
فهذه الآيات تبين أن الأسباب إنما تستمد فاعليتها و نتيجتها من الله عز و جل.

ثم قد يسأل السائل، ففيم إذن التعامل مع الأسباب؟ لماذا نجلس فننتظر حكم الله و سلطانه؟؟
و الجواب أن التعامل مع الله يكون بالانسجام مع أوامره و التعامل مع نظامه، فإن جعنا نأكل، و إن مرضنا نتداوى، و إن ظمئنا نشرب، و مع كل هذا لا فاعلية إلا لله، و لا تأثير إلا بحكم الله . و انظر إلى قصة السيدة مريم العذراء حين أنبت الله لها التمر في غير ميعاده و أسقطها في حجرها لكن الله سبحانه أمرها بهز جذع النخلة (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) مريم:25، فقد أمرها بالقيام بوظيفة التعامل مع الأسباب، و هي هز جذع النخلة، و تكلف الله برزقها.

أما الأثر التربوي حين تتعامل شرعيا مع الأسباب، فهو اليقين الذي يملأ قليك، و لسانك الذي سيكون دائما في حالة شكر و حمد و ثناء عليه عز و جل، و تزداد ثقتك بالله و الطمأنينة إلى قضائه و قدره.

هكذا إذن يكون المسلم، يتعامل مع الأسباب مع اليقين التام في الله و قضائه و قدره، تنفيذا لوصية الرسول صلى الله عليه و سلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه مسلم (...استعن بالله و لا تعجز، و إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان، و لكن قل قدر الله و ما شاء فعل)



الحكمة الرابعة:
أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك


شرح الحكمة:

هذه حكمة متممة للحكمتين السابقتين و تصب كذلك في مسائل القضاء و القدر.

إن رجعنا إلى الحكمة الثانية التي تدعو إلى التعامل مع الأسباب، إن نحن أٌقمنا في عالم الأسباب، فإن هذه الحكمة توحي في البدء أنها تدعو إلى عكس ذلك، حين تدعو إلى إراحة النفس من هم التدبير...

و الواقع أن لا فرق بينهما فالتعامل مع الأسباب هو جهد عضلي مادي يبذله المتعامل معها، و التدبير هو عمل فكري و قرار عقلي و معناه أن الإنسان يتعامل مع الأسباب بالخطط و النتائج و العمليات الحسابية، و أن عقله هو مفتاح النجاح...و هذا هو نهج المسلم يتعامل مع الأسباب و يقبل إليها إقبالا شديدا و لا يأل جهدا في ذلك و في نفس الوقت يستسلم موقنا بقضاء الله و يرضى بحكمه...

و انظر إلى قدوتنا سيد الخلق أجمعين و حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم في الهجرة النبوية و قد أعد كل الأسباب المادية لنجاح هجرته (خرج متخفيا، و أمر عليا كرم الله وجهه أن يبيت في فراشه، و سلك طريقا مخالفا، و أمر راعي أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يسير بغنمه كي تمحو الآثار، و اختار دليلا خبيرا ) ثم كان هناك تدبير الله عز و جل لما وصل المشركون إلى غار ثور و حينها همس النبي صلى الله عليه و سلم إلى صاحبه "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)، و كذا لما أدركهما سراقة، فحماه الله منه، و انغرست حوافر الخيل في رمال الصحراء.
فالنبي صلى الله عليه و سلم مارس الأسباب و تعامل خضوعا لأمر الله و انسجاما مع النظام الكوني الذي أقامه الله عز و جل، ثم نسي الأسباب و قيمنها، و ربط النتائج في يقينه الاعتقادي بحكم الله و لطفه مع ثقته التامة بحكمته و رحمته و توفيقه.

لكن، و هذا هو مربط الفرس...
هل نستطيع أن نخضع شعورنا و سلوكنا لهذه الحكمة ؟؟
و الجواب أنه ليس من اليسير فعل ذلك، لأن الإنسان بطبعه ميال إلى وضع نفسه وضع المدبر و الذي ينتظر نتائجه وفقا لما خطط له، فإن فشل في ذلك أصابه القلق و ضعف إيمانه و أثر ذلك على عبادته لله عز و جل...

فما علاج ذلك، و ما السبيل إلى التفاعل العملي مع هذه الحكمة؟؟

إليكم هذه النقاط المعالجة إن شاء الله:

- الإكثار من ذكر الله
- ربط النعم بالمنعم عز و جل
- التزام ورد من القرآن بتدبر و تأمل
- البعد عن الفواحش و المعاصي

و هذا العلاج ينمي إن شاء الله في المرء محبة الله و يزيده ثقة في حكمة الله و رحمته و لطفه



الحكمة الخامسة:
اجتهادك فيما ضُمن لك، و تقصيرك فيما طُلب منك،
دليل على انطماس البصيرة منك


شرح الحكمة:

نبدأ في شرح الحكمة بقول الله تعالى(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات: 56-58
ثم قوله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)طه: 132

تبين الآيتان نقطتين مهمتين:
1- الإنسان مطالب بممارسة العبودية لله عز و جل بسلوك اختياري لأنه خُلق عبداً بالواقع الاضطراري.
2- الله ضمن للعبد مقومات حياته و رغد عيشه.

فابن عطاء الله السكندري يقول أنه إذا انصرف الإنسان إلى إرهاق نفسه فيما ضمن الله له من رزق، فذاك يدل على عدم الثقة بوعد الله.
إن مما يجب علمه هو أنه ما من مخلوق إلا و أقامه الله تعالى على وظيفة (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )طه:50.

و الإنسان ليس استثناء من هذه القاعدة، لكن الفرق بينه و بين سائر المخلوقات أنها تمارس وظيفتها بالقهر و الاضطرار و الغريزة، أما هو حر ذو إرادة، لكنه قد يستعمل حريته للتمرد على الله عز و جل، و على الوظيفة التي أقامه الله فيها، فيشرد عنها و لا يقوم بها.

لكن أي وظيفة أقام الله فيها الإنسان؟
و الجواب هو عمارة الأرض التي أحياه الله فيها على النحو الذي بينه الله له، و ذلك بتحقيق شيئين اثنين:
-ممارسة العبودية لله.
-عمارة الأرض على وجه سليم بإسعاد الناس.

و لتحقيق ذلك فإن الله ضمن للإنسان مقومات عيشه و أدار الكون لخدمته، لكن الإنسان يعرض عن هذه الوظيفة و يتمرد عليها، و من مظاهر هذا التمرد مثلا:
-أن يهمل المرء أسرته مدعيا ألا وقت له لرعايتهم و تربيتهم (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) طه: 132
-أن ينصرف إلى اللهو و يعرض عن العمل الصالح، و ينسى قوله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) النحل: 97
-أن يطلب النصرة من أسباب خارجية غير الله و ينسى قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور: 55

فما عاقبة تخلي المسلمين عن وظيفتهم؟
النتيجة بكل بساطة، ذل و هوان...هكذا نطقها عمر رضي الله عنه:"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله". فالرعيل الأول حين صدق الله و قام بوظيفته على أحسن حال، أنجز الله وعده و نصرهم على قوتين كبيرتين آنذاك عما الروم و الفرس. لقد نطق عمر رضي الله عنه كلمته و هو فاتح بيت المقدس و هم لا يكادون يعرفونه و هو لابس خرقة بها 12 رقعة، فأراد بذلك أن يقول أن المسلمين و إن كانوا مفتقرين إلى أدنى مقومات النصر المادية، فإن الوعد الإلهي أُنجز لأنهم صدقوا الله و قاموا بوظيفتهم على أكمل وجه.

وقد يسأل سائل: ألا يتعارض ما قيل مع الحكمة الثانية التي تدعو إلى التعامل مع الأسباب؟؟
و الجواب أن التعامل مع الأسباب ضروري شرط ألا يصرفه ذلك عن القيام بواجباته الدينية من صلاة جماعة و ورد و تربية الأولاد. فالفرد عليه الإقبال على الواجبات الدينية التي كلفه الله بها، و في نفس الوقت يقبل على دنياه و يكسب رزقه تلبية لأمر الله بالسعي إليه، فهو مُثاب على ذلك، تحقيقا لقول الله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)الملك: 15

بقيت الإشارة أخيراً إلى أن هذه الضمانة و الوعد الإلهي لمن أقام بوظيفته على أحسن وجه، هو صالح كذلك للمجتمعات، و التاريخ خير شاهد لما تمسك الرعيل الأول بدينه، ثم لا يسع إلا أن ينظر المرء إلى خال أمته لما أخلن بوظيفتها (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) إبراهيم: 13-14


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shiekhnouralhouda.maktoobblog.com/
بسمة امل

avatar

عدد الرسائل : 283
تاريخ التسجيل : 09/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: الحكم العطائية شرح وتحليل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي   الأربعاء 18 مارس 2009 - 11:35


الحكمة السادسة:
لا يكن أمد تأخر العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك،
فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك،
و في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد


شرح الحكمة:

ما هو الدعاء؟ و ما الفرق بينه و بين الطلب؟

الطلب هو وصف للفظ ينطق به الطالب،
أما الدعاء فهي حالة نفسية تعتري الطالب، فيسمى طلبه دعاء، و هذه الحالة النفسية تتحقق بشيئين:
1- يقظة القلب و المشاعر: و ذلك بإظهار مظاهر التذلل و الانكسار، فالدعاء يجب أن يُفهم أنه ليس بطقس ديني يُمارس بشكل اعتيادي، و إنما يجب إظهار مشاعر الافتقار إلى الله عز و جل، و هذا هو المقصود. و ليست العبرة بحفظ ورقات من "الأدعية المستجابة " و سردها، فإن لو يُستجب له، أبدى العتاب بقوله أنه دعا و لم يستجب الله له و قد قال رب العزة ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر:60
2- التوبة إلى الله: و هي توبة من المعاصي و تكون نصوحة، متجددة، و يقدمها شفيعا بين يدي دعائه. و لنضرب في ذلك مثلا، و لله المثل الأعلى:
- تخيل نفسك أمام مديرك في العمل، و طلبت منه علاوة أو إذنا بالخروج، أو شيئا من هذا القبيل، مع أنه يعلم أنك لا تقوم بعملك على أحسن حال و تغش فيه و تأتي متأخرا إلى عملك، فهل سيستجيب لطلباتك؟
- ثم إننا في بعض المرات ندعو مع أنفسنا فيستجيب لنا الله بفضله، و ندعو مع غيرنا أو الأمة فلا يُستجاب لنا. ذلك أن هذا الشرط مفقودٌ في الأمة، أمة تائهة، ملأى بالعصاة و المستكبرين، فأنى يُستجاب لها وهذا مصداق قوله صلى الله عليه و سلم ( إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا " و قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ"ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب. ومطعمه ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذيَ بالحرام، فأنَّى يستجاب له ) رواه مسلم
فإن حققت شرطي الدعاء، كانت استجابة دعائك محققة بإذن الله.

لكن ما معنى الاستجابة؟
الاستجابة تكون للهدف و ليس بالوسيلة التي تراها أنت أو كما قال ابن عطاء الله "فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك " فالله هو عالم غيب السماوات و الأرض و يعلم مكمن الخير، فقد يكون ما طلبته و إن ظننت أن به الخير، فهو ينطوي على شر و هذا معنى قوله تعالى (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة:216. و هذا هو خطأ الإنسان الأول في الدعاء حين يظن الخير فقط فيما يدعو إليه بالحرف.

أما الخطأ الثاني في الدعاء فهو الاستعجال فيه، و مرد هذا الخطأ أننا نعتقد أن الدعاء هو وسيلة و ليست غاية في حد ذاته. فالدعاء هو أصلا عبادة، و بالتالي فهو غاية، و هي مظهر لاحتياجنا لربنا، فالإنسان عبد مملوك لربه، و هو محتاج في أي لحظة لسيده، و الأصل في الأمر أن يبقى هذا التذلل و الانكسار مظهرا دائما ملازما لنا نجدد به عبوديتنا لله عز و جل.

و هنا قد يسأل سائل: ما معنى قوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر:60 ؟
و الجواب أن كلمة (ادعوني) هو أمر مطلق غير مرتبط بحالة معينة، بل هي حالة دائمة رخاء أو شدة، و ليست مرتبطة بشرط، أما الإحابة إنما هي تفضل من الله و كرم منه، و ليست ثمنا لدعائه، و هذا معنى قوله صلى الله عليه و سلم (يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول قد دعوتُ فلم يستجب لي) رواه الشيخان و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه. و لعل ذلك من حكمة الله عز و جل أن يتأخر في الاستجابة كي يرى تذلل عبده بين يديه، و هذا مصداق قوله صلى الله عليه و سلم (الدعاء هو العبادة) رواه البخاري و أحمد و ابن حبان و الحاكم

و من ثم فهذا السلوك، أي سلوك الافتقار و إعلان الذل و الانكسار يجب أن يلتزم به المسلم دائما مع ثقته طبعا في كرمه عز و جل



الحكمة السابعة:
لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود و إن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك و إخماداً لنور سريرتك


شرح الحكمة:

إذا تصفح أحدنا كتاب الله عز و جل، فإنه يجد وعودا كثيرة لم تتحقق:
(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) غافر:51
(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) إبراهيم: 13-14
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص:5

ثم يتساءل من بعد ذلك، لماذا لا تتحقق هذه الوعود؟ المسلمون مقهورون، و أعداؤهم يسرحون و يمرحون و لم يُهلكوا كما وعد الله في آياته؟

لكن...
ألا نتساءل: هل قُمنا بواجباتنا اتجاه الله عز و جل؟؟ هل إعمار المساجد، و ازدحام مكة بالحجيج دليل على قيامنا بواجياتنا؟
و الجواب لا، فإسلامنا غريب حتى في بيوتنا، ونحن بعيدون كل البعد عن الله تبارك و تعالى...

إن الإنسان كلما كان بعيداً عن الله منكبا على الدنيا، تقل أمام بصيرته حقوق الله عليه، و تتكاثر أمنياته التي قد يرى فيها حقا على الله، و كلما كان قريبا من ربه، تعظم أمام بصيرته حقوق الله، و تضمر حقوقه التي ربما يتخيل أنها حق له من الله.
نعم....فكلما زاد الإنسان قربا من الله، ازداد شعوراً بالتقصير. و انظر في ذلك مثال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم، فقد كان أكثر الناس معرفة بربه، و كان دائم الاستغفار له.
و أنى لإنسان في هذه الحالة أن يرى لنفسه حقا يُطالب به، و هو مغمور بمشاعر تقصيره؟

و نتيجة هذا الكلام، أن الله لا يُخلف وعداً لمن وفى بشروطه...
انظر إلى قوله تعالى (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) إبراهيم 13-14، و قوله تعالى (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) البقرة:40

ثم إن من سنن الله في الكون، أن الله قد يأخذ الكل بذنوب البعض. قال تعالى (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال:25.

و انظر إلى هزيمة المسلمين في أحد و كيف جاءت نتيجة معصية ثلة صغيرة لأوامر الرسول صلى الله عليه و سلم. ثم انظر إلى غرور ثلة من المسلمين في غزوة حنين التي كادت أن تودي إلى الهزيمة.
ثم انظر...
إلى حالنا و المعاصي الكبيرة التي نعيش بها و قارن بينها و بين مخالفة المسلمين في غزوة أحد، ثم احمد الله على ألطافه أنه لم يأخذنا بذنوبنا و يعذبنا بها.

إن من يعتقد أننا نستحق موعودات الله، فإن ذلك دليل على انطماس بصيرته و خمود نور سريرته.
إن كان هذا حال المسلمين، فما بال أعدائهم ينعمون في المتع؟
و الجواب أن من سنن الله أيضا، فتح أبواب المتع أمام من انقطعت صلته بالله، و تسخير الدنيا لهم، فيزدادوا عتواُ و فسادا، فيأخذهم يعد ذلك أخذ عزيز مُقتدر. و انظر إلى آيات عديدة في كتاب الله عز و علا:
(رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) الحجر:2-3
(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) الأعراف:182-183

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) إبراهيم:42

(وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ) الأنعام: 42-44

و هاتان السنتان الكونيتان تفسران الحال الذي يعيش فيها العالم من تقهقر للمسلمين و تقلب أمم البغي و الضلال في النعم و المتع، فمن رأى أن الله لم ينجز وعوده بعد كل ما ذُكر، فإن ذلك دليل على انطماس البصيرة.



الحكمة الثامنة:
إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك. فإنه ما فتحها لك إلا و هو يريد أن يتعرف عليك. ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك و الأعمال أنت مهديها إليه، و أين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


شرح الحكمة:

للإنسان طريقان لا ثالث لهما يخرج بهما من الضلال إلى الله عز و جل، قال تعالى (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) الشورى: 13.
1- طريق الهداية و الإنابة: و هو طريق طويل شاق يتجه فيه العبد إلى ربه، فيغرس في نفسه حقائق الإيمان ثم يوجه قلبه لمعرفة الله و يستعين في ذلك بالقرآن و الذكر و الطاعات و تجنب المعاصي، فتصير الدنيا في نفسه شيئا فشيئا.
2- طريق الاجتباء: و هو طريق يتجه به الله إلى العبد، فتدركه رحمة الله بعد شروده.

و معنى حكمة ابن عطاء الله أنه: إن فتح الله لك نافذة يعرفك من خلالها على ذاته، فلا تعجب من أنك قد بلغت هذا الأوج من التوجه إلى الله دونما كثير من الطاعات، فطريق الفتح الإلهي مختلف عن طريق السير الإنساني.

هذه الإرادة من لدن الله عز و جل و التي شرفك الله بها تجب أن تملأ كيانك حبا و تعظيما له حتى و إن قل عملك. ثم تأمل سلم الأعمال الصاعد بما فيه من الشوائب، و ألطافه الإلهية بك.

و انظر إلى أمثلة رائعة من التاريخ، فهذا الفضيل بن عياض يتحول في جوف ليل مظلم من قاطع طريق إلى متنسك رباني، و هذا عبد الله بن المبارك يتحول من مولع بالطرب إلى عالم رباني، و ذاك مالك بن دينار يتحول من شرطي سكير إلى واحد من كبار الربانيين.

لكن...حذار...
أن يقول أحد، حسن أنا أفضل طريق الاجتباء، و أنا أنتظر أن يجتبيني الله. فالاجتباء هو فضل من الله لعبد أحب فيه خصلة أو خلقا أو سببا يعلمه الله عز و جل.

ثم...حذار...
أن تفهم قول ابن عطاء الله "فلا تبال معها إن قل عملك" فإنما ذلك يكون قبل الاجتباء، فينقذهم من وحل الضياع إلى مقدمات الالتزام، فإن استقر الحال بهم، زادوا من الطاعات و أقبلوا على أوامر الله و انتهوا عن المحرمات و شمروا ساعد الجد من أجل ذلك. فالاجتباء ليس كما بعض المنحرفين، حب من الله يغني من الطاعات و العبادات.

لكن...من هم المُجتبون؟
بدءاً ذاك لا يخضع لأي مقياس إنساني...
لكن من المؤكد أن من كان شاردا و مستكبرا على ربه لا يلحقه هذا اللطف (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) الأعراف: 40. لكن من كانت بين ثناياه مشاعر الذل و الانكسار و هو يرى نفسه ملوثا بالمعاصي و الكل خير منه، فهو من المعرضين إلى هذا اللطف الرباني، و في هذا قال أحمد الرفاعي رحمه الله " نظرت إلى الطرق الموصلة إلى الله فرأيتها مزدحمة، و نظرت إلى طريق التذلل و الانكسار فإذا هو فارغ لا ازدحام فيه"

ثم تأتي بقية الحكمة: " ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك و الأعمال أنت مهديها إليه، و أين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك "

سلم الأعمال طويل جدا يتطلب الصبر الكثير، و هي مهما كانت مفيدة و مقرِبة إلى الله، فهي صادرة عن نفس أمارة بالسوء، فتشوبها الحظوظ الدنيوية، فتتحول تلك الأعمال الصالحة إلى مطايا لأهواء النفس، كما أن تلك الأعمال على قلتها لا تملك إلا قدرة محدودة على تغيير صاحبها من الانحراف إلى الانضباط الدائم لأوامر الله، و ذلك مرده عدم صفاء الأعمال من آفات النفس و حظوظها الدنيوية.


أما إن خصك الله بلطفه و رحمته فلسوف تستيقظ من الغفلة النفسية و تنطلق من سجن الوقوف عند ظواهر الأشياء، و يكرمك حينها الله بفتحه لك باب التعرف عليه، و يغيبك لطفه عن الأكوان لتعيش مع المكوِن...و يالها من حالة...

إذن...كخلاصة لحكمة اليوم، هناك طريقان للوصول إلى الله...
1- طريق أكثر الناس، و هو طريق الإكثار من الطاعات، و أخذ النفس بمنهج طويل من التزكية
2- طريق الأقلية و هو الاجتباء و مصدره فضل من الله لمن شاء متن عباده.



الحكمة التاسعة:
تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال


شرح الحكمة:

يُعرف الحال بأنه الوضع الذي يمر عليه الإنسان ثم يتجاوزه دون أن يستقر عليه، و هي نوعان: نفسية و اجتماعية.

1- الأحوال النفسية:
و هي ما اصطلح عليها علماء السلوك، التربية القلبية الموصلة إلى الله، و هي تلم المشاعر الداخلية التي تمر و تمضي، و لا يوجد لها ميقات، و قد يطول أمدها أو يقصر، و هي تأتي نتيجة وقوف و تأمل. فمن الناس من يقف أمام أسماء الله التي فيها الرحمة و الكرم، و العفو و المغفرة فيحسن الظن بربه، و منهم من يقف أمام صفات القهر و العقاب فيتغلبه الخوف و الشعور بالتقصير، و من أمثلة ذلك ما ذكر من خبر داود الطائي الذي لم ينم الليالي من كثرة شعوره بالتقصير. و هذا الفضيل بن عياض الذي لم يقدر أن يدعو لما حج في جبل عرفات خجلا و حياء من الله، و هذا معروف الكرخي الذي كان صائما فسمع سقاء يدعو بالرحمة لمن شرب منه، فأفطر كي يناله دعاؤه.

فعنوان العمل ليس هو مناط المثوبة و القبول من الله عز و جل، بل ذلك مناط ما تفرزه الحالة التي يمر بها المسلم المتجه بكليته إلى الله. و يدخل في تنوع أجناس الأعمال تفاوت الناس و مدى قربهم من الله، فهذا من عُرضت عليه الطيبات زهد فيها كحال داود الطائي، و منهم من تمتع بها استشعارا للطف الله و رحمته و كرمه.
فطبيعة الأعمال التي قاموا بها، إنما كانت نتيجة حالة نفسية كانوا فيها.

2- الأحوال الاجتماعية:
و تعني بخلاصة الحالة الاجتماعية المحددة للإنسان (أعزب أم متزوج، دارس أم موظف) فمثلا العازب لا يحمل إلا مسؤولية نفسه، ينهل من العلم الشرعي و يتقرب إلى الله وقت فراغه، أما إن تزوج فلا يجب عليه إهمال أسرته بدعوى التقرب إلى الله، فذلك أيضا تقرب إلى الله.
و العامل في المصنع، عليه الإتقان في عمله ثم الانصراف إلى عمله بعد الصلاة دونما تكاسل...

لكن...
دون أن ننسى أن الجميع مشترك في أساسيات العبادة: الصلاة المفروضة، الصوم، الحج، الزكاة...

و الأثر التربوي للحكمة هو الالتزام بضبط الأدب مع عباد الله ما داموا مسلمين، و عدم إساءة الظن بهم مقصرين كانوا أو صالحين....

إلا انه يجب أن نحذر...

من الخلط بين الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و سوء الظن بالناس، فالواجب تذكير المقصرين مع حسن الظن بهم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shiekhnouralhouda.maktoobblog.com/
بسمة امل

avatar

عدد الرسائل : 283
تاريخ التسجيل : 09/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: الحكم العطائية شرح وتحليل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي   الأربعاء 18 مارس 2009 - 11:45


الحكمة العاشرة:
الأعمال صور قائمة، و أرواحها وجود سر الإخلاص فيها


شرح الحكمة:

إن جميع القربات التي يُقدمها العبد تتكون من عمل و قصد. فصلاح الأعمال مهما تنوعت تكون بصلاح القصد، قصد التقرب إلى الله، فلا أعمال دون قصد، و لا قصد دون عمل إلا في بعض الأحيان، كأن تكون النية سليمة و لا قدرة على الإتيان بالعمل كالصدقة و نحوها.

أما إن كانت النية غير سليمة، فإن الله أجاب عن ذلك في محكم كتابه(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ) الفرقان:23، و قد كانت آية تبكي الصحابة رضوان الله عليهم.

و لنضرب في ذلك أمثلة:
- رجل ذو دَين، و جاء موعد السداد فأسرع يصلي كثيرا كي يعينه الله على الخروج من أزمته، فهذا قصده غير سليم لأنه اختصره في الخروج من ضيقته.
- عامل انتهز فرصة الصلاة، فأطال كثيرا وضوءه و صلاته و زاد من الذكر الكثير، فابتعاده عن عمله هو قصد غير سليم.
- واحد من هؤلاء الذين ينشطون في أعمال حركية للإسلام، لكنه يتهاون عن فجره و تلاوة القرآن، و يقول إن الله أقامه على أمور الدعوة، فهذا قصده غير سليم.

صحيح أن الأعمال الصالحة تشمل أساسيات الإسلام، و أيضا كل ما يحقق مصلحة من مصالح الناس، لكن لا ينبغي فصلها عن الهدف القدسي الذي يجعل منها عبادة ألا و هو الإخلاص لله عز و جل. فلو صفت القلوب و خلصت النيات لكانت كلمة المسلمين واحدة و لملأت هيبتهم قلوب أعدائهم



الحكمة الحادية عشر:
ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يُدفن لا يتم نتاجه


شرح الحكمة:

ما معنى الخمول؟ هل هو الكسل و الدعة؟

لا...الخمول هو الابتعاد عن الأضواء و أسباب الشهرة، و أن يكون الإنسان مجهولا لدى الآخرين. و يعني ابن عطاء الله بحكمته هاته أن ابتعد بنفسك لترعى ذاتك و تنضج عقلك و تربي نفسك و تصفي سريرتك من الشوائب كعالَم النبات الذي يُستنبت حين يكون مدفونا في الأرض و الذي يمر بمرحلتين:

-مرحلة التأسيس في باطن الأرض
- مرحلة النمو و العطاء

فابن عطاء يقول أنه قبل الظهور على مسرح الأحداث يجب أن تتعهد نفسك بالتربية و التزكية من معوقاتها (نفس أمارة بالسوء، شهوات، أهواء...). أما إن قفز الإنسان عن هذه المرحلة، فإنه يكون كالنواة التي على وجه التراب و بين الحجارة فلن تنمو أبداً

لكن مصدر هذه الحكمة؟؟
مصدرها سيرة خير الورى محمد صلى الله عيه و سلم، الذي حُبب إليه الخلاء قبل بعثته عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام

إن على الإنسان ثلاثة أمور للنهوض بواجباته اتجاه المجتمع:

1- العلم:ففاقد الشيء لا يعطيه
2- تزكية النفس: فهي تطمح دائما إلى حب الظهور و الزعامة و جمع المال، و لا مناص لثنيها إلا بتعهدها بالتزكية
3- تطهير القلب من محبة الأغيار: و هي الأنداد، و المنافسون لله تعالى على قلوب الناس من مال و زعامة و أولاد و زوجة

أما السبيل لذلك هي تنظيم خلوات منتظمة لمعرفة ذاتنا و الوقوف على هويتنا كعباد لله عز و جل، و ذلك باتخاذ ورد دائم من أجل الصفاء من تلاوة و تدبر للقرآن، و لا يكون ذلك إلا باتخاذ خلوة بعيدا عن المجتمع و ضوضاءه. فنحن حين نحب أن نحل مشكلا دنيويا نحتاج للانعزال و توفير الظروف الملائمة الهادئة لحلها، فما بالك بأمور الدين...
إننا حين ننصرف للانعزال نكون واثقين أن عملنا هو لله عز و جل و لا خوف علينا حينئذ من المجتمع و أضوائه.

إلا أن وجب التنبيه أن العزلة التي يعنيها ابن عطاء هي أعم من الانعزال لوحدك في غرفتك، بل هي أيضا مُجالسة الصالحين و المرشدين و المعينين على طريق الله الذين يُعينون البراعم على أن تنبت و تتفتح جيدا بعيدا عن نقائص الأنشطة الاجتماعية و الحزبية
.


الحكمة الثانية عشر:
ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة


شرح الحكمة:

هذه الحكمة تُركز على ضرورة اتخاذ الإنسان ساعات من العزلة بين الفينة و الأخرى يخلو فيها إلى نفسه كي يُقومها

و القلب ورد في القرآن الكريم بمعنى العقل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)ق:37، و ورد كذلك بمعنى العضلة المعروفة (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )الرعد:28. و المراد بها في الحكمة هو مجمع العواطف الدافعة و الرادعة و الممجدة

أما كلمة عزلة فقد وردت في الحكمة نكرة للدلالة على أنها ليس المقصود بها العزلة الدائمة عن المجتمع، مما يتنافى مع الفطرة الإنسانية، إنما هي عُزلات متفرقة هما و هماك نلجأ إليها على قدر الاحتياج...
فالعزلة ليست مطلوبة لذاتها، بل هي مناسبة للتفكر و التأمل، فيما يفيد الإنسان ز يقربه من ربه، فهي بمثابة الحمية للمريض....
أما المراد بكلمة فكرة، هو موضوع يشتغل به الفرد بغية التقرب لله عز و جل لمعرفة هويته كعبد ز لمعرفة ذات ربه سبحانه و تعالى. فقد يكون موضوع الفكرة قرآنا، أو تفكرا أو سيرة نبوية...و الهدف من ذلك هو تقويم المسار و إيقاظ العقل نحو الحقيقة الكونية الكبرى...

أما أدلة ذلك من القرآن و السنة:
1- قول الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )سبأ:46.
2- حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي رواه أبو داود و الترميذي و البيهقي و ابن أبي الدنيا من حديث عقبة بن أبي عامر أنه سأل النبي صلى الله عليه و سلم "ما النجاة؟" فأجابه الرسول عليه الصلاة و السلام " أمسك عليك لسانك، و ليسعك بيتك، و ابك على خطيئتك"
3- المنهج العملي الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه و سلم بسلسلة الخلوات في غار حراء، و التي زاظب عليها حتى بعد البعثة حين كان يقوم في الليل فيصلي و يقرأ القرآن....

أما لماذا الليل؟
فلأنه وقت صفاء النفس و هدوء التفكر، و بذلك يتحقق المراد من العزلة في الانضباط لأوامر الله عز و جل و اجتناب نواهيه.

بقيت الإشارة أخيرا أن هذه العزلة لا تحتاج على مرشد بل اعلم أن مُرشدك هو كتاب الله و سيرة رسوله صلى الله عليه و سلم

فلنجعل إخوتي من العزلة منهجا نهرع إليه ليلا عندما نحس بالرغبة إلى العودة إلى ربنا، و العبد الكاتب أول مأمور بذلك إن شاء الله



‏الحكمة الثالثة عشر:
كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟
‏أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟
أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته‏؟
‏أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته‏؟


شرح الحكمة:

1- كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟

الإنسان قفص صدري يشترك بذلك مع جميع الحيوانات و هو قلب و عقل، بهما كانت الحضارة و العمران، فالعقل يعي و يُدرك، و القلب مجمع للعواطف و الوجدان، فالعقل مهمته الإدراك و الوعي، و القلب هو مُلتقى العواطف الدافعة (الحب و التعظيم) و الرادعة (الخوف و الكراهية) و المُمجدة (الانبهار و الإعجاب و الإجلال)

و القلب لوحة ذات حساسية مرهفة تتفاعل مع ما يقع عليه بصرك من الدنيا، فإن كان منسجما مع لوحتك أحببته، و إلا كرهته. فالقلب إذن ليس إلا مرآة تنعكس صور من أحوال صاحبه. فإن وُجهت إلى بئر مظلمة صارت سوداء، و إن وُجهت إلى شمس ساطعة كانت بيضاء...
فإن كانت الدنيا هي آمال الإنسان، كان قلبه و عواطفه مجندة لتحقيق ذلك، و أنى حينها لوجود الله أن يجد متسعا في قلبه ؟؟ (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) المطففون:14. فالران حينها يطبع القلوب و يمنع صاحبه عن العودة إلى الله بالرغم من معرفة الطريق الصحيح، حتى إذا أراد العقل نبت نبتة خير، لم يجد مكانا خاليا لذلك.

لكن لماذا أُغلق القلب بتلك الطريقة؟ و لماذا استقرت صور الأكوان في القلب بدل صفات المُكون، رغم أن العقل موقن بالله و وحدانيته و صفاته ؟هذا التساؤل يُجيبنا عليه المقطع الثاني من الحكمة:

2- أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟
إن صور الأكوان لا تنطبع في القلب إلا بسبب الشهوات التي تُكبل و تُخلد إلى الأرض، فتُنسي المُكون....
فالعلاج إذن هو التحرر من الشهوات...لكن كيف ؟
هذا التساؤل يُجيبنا عليه المقطع الثالث من الحكمة:

3- كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟
أصل الوقوع في الشهوات هي الغفلة عن الله عز و جل و علاج ذلك...

4- أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟‏

فكثرة الهفوات توقع في الغفلة عن الله عز و جل، فإن غفلت عن ربك، كان وقوعك في الشهوات سهلا، و إن ألفت الشهوات، غلب على قلبك الران و العياذ بالله.

فالحل إذن هو التغلب على أصل المشكلات و هو الاستسلام للهفوات و الآثام، و ليس مطلوبا العصمة، و لكن المطلوب هو الحرص على الابتعاد عن المعاصي جهد المستطاع ثم التوبة المستمرة و استشعار مراقبة الله عز و جل.
إن من نتيجة التغلب على الهفوات هو التحرر من الغفلة فتدخل بذلك حضرة الله عز و جل، و هي مرتبة الإحسان " أن تعبد الله كما تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك ". و هذه اليقظة القلبية تجعل نفسك تكبح جماح شهواتها، و ترحل إلى ربها، فيزيد حب الله في قلبك.



لكن...قد يتسائل الفرد كيف ترى العينان صور المكونات، ثم لا تستقر الصورة في الذاكرة و من ثم على صفحات القلب ؟
و الجواب...
كل ابن آدم ينقل صور المكونات من عينيه إلى الذاكرة و منها إلى القلب، فإن كان نابضا بحب الله، فإن الصور التي يتلقاها هي بمثابة آيات ناطقة بوجود الله و وحدانيته، و إن كان غير ذلك يتيه بالآثار عن المُؤثر و بالصنعة عن الصانع ثم يغفل و يبدأ في الانزلاق. فآيات الله هي إنما جسر إليه (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ) آل عمران:190


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shiekhnouralhouda.maktoobblog.com/
خواجة

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 386
Localisation : morrocco
تاريخ التسجيل : 31/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الحكم العطائية شرح وتحليل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي   الثلاثاء 24 مارس 2009 - 17:11

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله

والله موضوع جميل وسيدي رمضان البوطي كان الله له بسط فهم هذه الحكم وهو عمل إن شاء الله مأجور عليه بخير الدنيا والآخرة.

ولكن لا بد أن أشير إن المعنى الذي أدرجه ليس بالشامل ولكن تقريبي لبعض الفهوم لتدرِك .

أختي بسمة أمل مأجـــــــــــــــــــــــــــورة على هذا الموضوع المتميز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shiekhnouralhouda.13.fr
 
الحكم العطائية شرح وتحليل للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العالمي للسادة الأشراف الشاذلية المشيشية :: في رحاب السادة الشاذلية المشيشية عليهم السلام :: الشيخ الرابع للطريقة / مولانا حكيم الصوفية سيدي أبا الوفاء بن عطاء الله السكندري قدس الله سره-
انتقل الى: