المنتدى العالمي للسادة الأشراف الشاذلية المشيشية

المنتدى الرسمي العالمي للسادة الاشراف أهل الطريقة الشاذلية المشيشية - التي شيخها المولى التاج المقدس العميد الاكبر للسادة الاشراف أهل البيت مولانا السيد الإمام نور الهدى الإبراهيمي الاندلسي الشاذلي قدس الله سره
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 6:55

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله








نجوم المهتدين
في دلائل الاجتماع للذكر على طريقة المشايخ المتأخرين، برفع الأرجل من الأرض والاهتزاز شوقًا لرب العالمين

تأليف
الإمام، علم الأعلام، القدوة الكامل، المرشد الواصل
العارف الصمداني، والقطب الرباني؛ أبي المكارم مولانا الشيخ عبد الكبير
ابن الشيخ أبي المفاخر مولانا محمد ابن الإمام عبد الواحد
المدعو الكبير الحسني الإدريسي الكتاني
أدام الله بمنه كماله، ووالى عليه أفضاله...آمين


[/size]تحقيق
عدنان بن عبد الله زهار

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم




{الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}...آمين.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.


[تمهيد]

أما بعد؛ فيقول عُبيد ربه، وأسير ذنبه، أفقر الفقرا، وأحقر ما يُرى؛ عبد الكبير بن محمد الكتاني، كان الله تعالى له ولكافة المسلمين وليا ونصيرا...آمين، بجاه مولانا رسول الله e وعلى آله وصحبه أجمعين:

إن مما اصطلح عليه سادات الناس الصوفية قدس الله أرواحهم، وعطّر مزارهم، منذ قرون عديدة، في بلاد قريبة وبعيدة: اجتماعهم على الذكر بطرق معلومة، وكيفيات غير مجهولة، ولا أنها بلسان الشرع مذمومة.

وذلك أن أصحابهم يجتمعون لسماع الإرشاد والنُّصح، والوعظ الذي هو باب النُّجح([1])، ثم بعد امتلاء عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف والعلم، والإدراك والفهم، يشرعون في الاستغفار، المطهِّر من الذنوب والأوزار، حتى تزداد القلوب صَقْلا، والعُقول كمالا.

ثم يذكرون كلمة الشهادة بصيغ تأخذ الألباب والقلوب، وتَذهب بالكل إلى علام الغيوب، ثم يَأذنون إنسانا شجي الصوت، كبير السن، يحرك دواعيهم بإنشاده. كل هذا والشيخ منيرٌ لأفئدتهم بإمداده، فإذا طاب بهم الوقت، وذهب عنهم ببركة الذكر ظلام المقت؛ قاموا يذكرون من قيام، ويأخذهم الوَجد([2]) أو التواجد([3]) فيهتزون فرحا بربهم العلام.

وربما قوي حال البعض منهم فرقص، عملا على ما في ذلك من الرُخص، كل ذلك والشيخ المديرُ لحركاتهم، المتعرضُ للزيادة والنقص من أفعالهم وحالهم، يناسب ما يُقال من الإنشادات الربانية، من [2] كلام أهل الحضرات الحقانية، أهلِ التجليات السُبْحانية، إلى أن يرى الشيخُ الرجوعَ بالذاكرين إلى السكون، فيأمرُهم بالانصراف وكلهم بحمد الله يجأرون.



[سبب تأليف الكتاب: رد كلام المعترضين على الصوفية في الوجد والرقص]:

ولما كانت عادة الله في خلقه: أن على كل طريق للخير معارضًا أو أكثر، متعصبا جاحدا أو أكبر، أردت أن أذكر في هذه الوريقات بعض البعض مما يشهد لفعل هؤلاء السادات الصوفية، أرباب الهمم والقلوب الصافية، من الكتاب والسنة، وكلامِ أئمة الدين الذين بهم عظُمت على الدين وأهله المنة.

فهاكها نصرةٌ لجميع الطرُق التي ثبت أمرها على ذلك، وسلكت في سيرتها أحسن هذه المسالك؛ كالشاذلية وفروعها من وفائية وبكرية وعيساوية ووازانية وعلَمية وعفيفية - طريقة القطب عبد الوهاب العفيفي- المشهورة بمصر، وجوهرية - طريقة الشيخ أحمد الجوهري المصري، وهي فرع من الشاذلية - ودرقاوية – بفروعها: الحراقية والغمارية، والمدنية والفاسية، والطيبية واليَشْرَطية المنسوبة للشيخ علي اليشرطي([4]) مشهورة بالشام.

وكالسُّهْرَوَرْدِيّة الخَلْوَتية، وفروعها من حفنية وصاوية، وسباعية وصقلية وتجانية...وغيرها كالبيّومية المنسوبة إلى الشيخ علي البيثومي المصري الشهير، وبعض فروع الطريقة الناصرية؛ كالقاونجية بالمشرق - المنسوبة إلى أبي المحاسن القاوقجي العلمي الطرابلسي...وغيرها.

ولا شك أن من تأمل في هذه الرسالة ونصوص الأئمة التي اشتملت عليها؛ علم أن المنكِِر لأمور الطريق من أصلها، إما جاهل أو متجاهل. وإلا فأهلها بَنَوْا طرقهم وعوائدهم على الكتاب والسنة ونصوص أئمة الدين، التي لا يردُّهم مِن التمسك بها رادُُّ، ولا يحُول بينهم وبين اتِّباعها حائل.

فما دام الرقص دائرا بين اجتماعٍ على الذكر وجهرٍ به، وإنشادِ أشعار رجال الطريق التي تحرك القلوب إلى علام الغيوب، ومراقبةِ الشيخ أو نائبه، فليس فيه ما ينكر؛ لا ابن الجوزي ولا ابن تيمية أو غيرهما ممن عُلم بالتشنيع والرد على أمور القوم.

[المنكرون على القوم إنما منكرون على ما يشوب بعض الأفعال من المنكرات لا على أصل طريقهم]:

على أنك لو تأملت كلام هؤلاء وطالعت كتبهم في الإنكار؛ تجد أنهم لا ينكرون الاجتماع على الذكر والرقص بالكيفية التي ذكرناها، وهي طريقتنا، بل إنما ينكرون الرقص والاجتماع عليه إذا كان مع النساء أو الأحداث، من غير مراقبة أستاذ مثلا...

وانظر إلى قول ابن تيمية في مجموعة "رسائله الكبرى"، في صحيفة 353 من الجزء الثاني [3]، بعد أن أورد عليه أن المصطفى سمع حسان وأثنى عليه ما نصه:

"هل سمع رسول الله وأصحابه سماعكم هذا المشتمل على قريب من مائة مفسدة؟!. ونظير هذا: ما استدلوا به على أن الرسول e استحسن الصوت الحسن وأذِن فيه، فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم، بالغناء المقرون بالدفوف والشبابات والأوتار، وغير ذلك من المعازف وذكر القدود والنهود، ومحاسن الشباب وحمرة الخدود، وما أشبه ذلك مما هو أفسد للقلب من سُكر الخمر".اهـ.

فأكثر من تراه ينكر على القوم اجتماعَهم على الذكر والسماع يتمسك بكلام مثل هؤلاء؛ كابن الحاج صاحب "المدخل" وغيره، مع أن إنكار هؤلاء مُصَبُُّ على ما ننكره نحن أيضا ونوافقه عليه من استهجان وتحريم حضور النساء والغلمان المفتتن بهم، أو إنزال السماع على ما لا يجوز إنزاله عليه شرعا.

أما ما خلا عن ذلك؛ كذكرنا وسماعنا ورقصنا؛ فلا أظن أن عالما ينكره، أو متدينا يهرب من الحضور في مجالسه؛ لأنه محض اجتماع على ذكر الله، وتقربٍ إليه، وتلذذٍ بآلائه ونعمه لا غير ذلك. ويقوى التأثير بذلك وانفعال النفس له وطهارتها من طغيانها بقوة جاذبية الشيخ مريدِ الحلقة، وسعادة الداخل في هذا الطريق.

وإذا أردت أن تعلم أن كلام المنكر على القوم من الفقهاء لا يريد سد الباب جملة وإطلاق التحريم؛ فانظر إلى أكبر أعداء السماع وأربابه؛ وهو: الشهاب ابن حجر الهيتمي صاحب "كف الرعاع في تحريم السماع"، فإنه قال في محل منه ما نصه([5]):

"ولسنا نحرم مطلق السماع، ولا نعتقد أن ما يُفعل من ذلك كله سفساف وضياع، بل منهم العارفون وهم حزب الله، {ألا إن حزب الله هم المفلحون}. [المجادلة/ 22]".اهـ.

وقال الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الدمشقي في كتابه "إيضاح الدلالات في سماع الآلات"([6]) ما نصه:

"وغاية استدلال القاصرين على إطلاقهم الحِرمة في ذلك: بمثل الرسالة التي صنفها الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي التي سماها: "كف الرعاع"، وذكر فيها أحاديث وأخبارا مُقَيَّدة بذكر الملاهي والخمر والقينات، وبعضها غير مقيدة بذلك لكن يراد بها ذلك".اهـ.

ثم ذكر أقاويل العلماء في ذلك؛ من قال بالحل، ومن قال بالحِرمة، ومن فصّل. وخلاصتها وزُبدتها: التفصيل. ولكنْ الجاهلون لا يفهمون، ولو تأملوا اسمها الذي سماها به رحمه الله لكفاهم [4]؛ فإنه سماها: "كف الرعاع"؛ لأن السماع لا يحرُم إلا على الرعاع من الناس، وهم الجاهلون الخبيثون القاصرون. وليس أهل الدنيا عنده كلهم رعاع، حتى يكون مرادُه إطلاقَ الحِرمة في حقهم كلهم".اهـ.

وقال أيضا في محل آخر([7]): "ما ذكره الفقهاء من الكلام في المتصوفة وتقبيح أفعالهم؛ فمرادهم: أهل الفساد منهم لا مطلقا، بدليل القرائن الواقعة في عباراتهم عند الرد عليهم".اهـ.

وقال أيضا([8]): "واعلم أن كلام الفقهاء في كتبهم دائما في حق الأمور الفاسدة والمقاصد السيئة، من غير أن يحكموا بها على أحد بعينه أو طائفة بأعيانهم، ليحترِز المؤمن ويتوقى مواضع الشرور. فلا تفهم الفقه كما فهمه فقهاء العوام في زماننا هذا، وجعلوه نصوصا في غير مواضعه، فإن التحذيرات لا يلزم وقوعُها مطلقا. ولا تظن في الفقهاء المتقدمين والمتأخرين الكاملين أهل العلم والعمل رضي الله عنهم أنهم يسيئون الظنون بأحد معيَّن من أمة محمد e!".

"وإنما عذرهم في التنبيهات على أمثال ذلك واضح، وذلك لأن الزمان فسد على كل حال، وإن لم يتعين فيه أحد بعينه للفساد إلا على الوجه الشرعي، وذلك عسير جدا".

"وعلى هذا يتخَرّج جميعُ ما ذكره العلماء في كتبهم ومصنفاتهم من التحذيرات والتنبيهات؛ كقول الإمام المشهور بـ: قارئ الهداية الحنفي في كتابه "جامع الفتاوي": ويجب منع الصوفية من رفع الصوت، وتخريق الثياب، ومن التواجد عند سماع القرآن والذكر، وبذلك تسقط العدالة. والصوفية الذين اختصوا بنوع لبس فاشتغلوا باللهو والرقص، وادعوا لأنفسهم المنزلة، {أفتروا على الله كذبا أم بهم جنة}؟. فليس النبي e من الدد ولا الدد منه. ونهى النبي e عن لبس ثياب الشهرتين([9]): لبس الثياب الفاخرة، ولبس الثياب المحقرة. فإن كانوا زائغين عن الطريق المستقيم؛ يُنفَون من البلاد، لقطع فسادهم عن العباد. لأن إماطة الأذى أبلغ في الصيانة وأنفع للديانة، وتمييز الخبيث من الطيب أولى.اهـ كلامه".

"فتأمل قوله هذا؛ تجدْه في القسم الفاسد من الصوفية، أهلِ الجهل والخباثة، من غير تعيين أحد منهم بعينه، فاحذرهم إن أطلعك الله على أحد منهم!".

قلت: ويرشدك إلى المراد: ما في ترجمة العارف الكبير، واحد عصره؛ السيد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الباعلوي صاحب المشهد بشبيكة مكة([10]) (اسم حومة)، من "المشرع الروي في مناقب آل باعلوي"([11])، من أن الشيخ ابن حجر حضر [5] عند المذكور، فأمر بإحضار السماع، فصفق الشيخ ابن حجر وصفق جميع الحاضرين. فلما خرج؛ قيل لابن حجر: "كيف تفعل هذا وأنت تنكر السماع؟!". فقال: "رأيت جميع الموجودات تصفق فصفقت معها!، ومثل هؤلاء السادات يحل لهم السماع".

قال صاحب "المشرَع" ما نصه([12]): "ومِن ثَمَّ لما ألف الشيخ ابن حجر كتابه المسمى "كف الرعاع عن محرمات السماع"؛ أخذ بعض العلماء من التعبير بالرعاع: أن العارفين لا حُكم لنا عليهم وإن سمعوا، فكتب الشيخ ابن حجر: وهو أخذٌ حسن مقبول، لأن من تحلى بحقيقة المعرفة يكون مجتهدا، فلا يعترَض عليه؛ لأنه لم يسمع بشهوة تدعو لمذموم أصلا قطعا، بخلاف غيره".اهـ كلام ابن حجر بواسطة صاحب "المشرع الرَوِي".

وبذلك يتضح أن حلقة الذكر بعوائدها التي ذكرناها وآدابها التي نختم بها هذه الرسالة، ينبغي أن يكون مدحُها وفضلها كلمةَ إجماع من أهل المذاهب والطرائق، كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى ذلك، مما ستراه من نصوص أئمة الدين وحملة أسراره المهتدين.


([1])قال في "مختار الصحاح" ص269 : "النُّجْحُ بوزن النُّصح و النَّجَاحُ بالفتح: الظَّفر بالحوائج".


([2]) قال النووي: "الوُجد لهيب ينشأ في الأسرار ويسنح عن الشوق فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلك الوارد، وقالوا: الوجد مقرون بالزوال والمعرفة ثابتة لا تزول". انظر "موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي" ص 1026.


([3]) في "موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي" ص207: "التكلف في إتيان الوجد، وذلك عرض لأنعام الحق وشواهده على القلب، والتفكير في الاتصال والتمني مسلك الرجال...وفيها ص 207: التواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية".


([4]) قال النبهاني في "جامع كرامات الأولياء"2/349: "الشيخ علي اليشرطي الشاذلي: أحد كبار مشايخ العصر، وقد انتشرت عنه الطريقة الشاذلية، ولا سيما في بلاد الشام، انتشارا عظيما، وانتفع به قوم وتضرر آخرون ممن حادوا عن طريق السداد، وجانبوا طريق الرشاد، وغلب عليهم الجهل حتى تركوا الصلاة والصيام، وصاروا لا يفرقون بين الحلال والحرام، وهؤلاء يوجد منهم في عدة بلاد من بلاد الشام، كصفد من بلاد عكا، وطوباس وأم الفحم من بلاد نابلس، وكان الشيخ رضي الله عنه لما بلغه شأنهم وقبح سيرتهم في أيام حياته كتب إلى سائر الجهات التي له فيها مريدون ومناسبات ينهاهم عن مخالطة أولئك الجهلاء المارقين، ويصرح بأنه بريء منهم ومن أعمالهم ويطردهم من الطريقة، ولم يزل كذلك إلى أن مات وهو عليهم غضبان، وما زال بعد موته يوجد منهم جماعة في البلاد المذكورة إلى الآن. وقد توفي في عكا بعد سن طويل تجاوز المائة، قضاه في طاعة الله والمداومة على العبادة والذكر والتقشف بالعيش، مع إقبال الدنيا عليه، كان يُطعم الضيوف والمريدين المآكل النفيسة، ويكتفي هو بالخبز والزيت ونحو ذلك، كما أخبرني من أثق به من الملازمين لخدمته المطلعين على أحواله بعد سنة 1315، في عكا ودفن فيها، وله زاوية وقبر يزار". اهـ.وانظر ترجمته في "حلية البشر" للبيطار 1/473.


([5]) ص15.


([6]) ص12


([7]) ص 22


([8]) ص 25


([9]) قال البيهقي في "شعب الإيمان" 5/169: "أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وغيره، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن هارون من كتابه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "نهى عن الشُهرتين" أن يلبس الثياب الحسنة التي ينظر إليه فيها أو الزينة، أو الرثة التي ينظر إليه فيها. قال عمر: "وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أمرا بين أمرين وخير الأمور أوساطها". هذا مرسل، وقد روي النهي عن الشهرتين من وجه آخر بإسناد مجهول موصولا.

وقال المناوي في "فيض القدير" 1/189: "أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي الصوفي في كتاب "سنن الصوفية" نقل الذهبي وغيره عن الخطيب عن القطان أنه: كان يضع للصوفية، وفي "اللسان" كأصله أنه: ليس بعمدة، ونسبه البيهقي للوهم".اهـ.


([10])الشُبَيْكَة بالكاف: بين مكة والزاهر على طريق التنعيم، ومنزل من منازل حاج البصرة، بينه وبين وجرة أميال".اهـ من "معجم البلدان" 3/324.


([11]) ص 182.


([12]) ص 182.
[/center]


عدل سابقا من قبل خادم الاعتاب في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 4:34 عدل 5 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 7:51

[المؤلفات في مسألة الرقص والوجد]:

وقد سبقني إلى الانتصار للقوم والذب عنهم بالقلم واللسان جمهورٌ عظيم من الكبار، الذين عليهم في كل حكم المدار، وأخص بالذكر منهم:

- أخا حجة الإسلام الغزالي، الشهاب أحمد بن محمد بن محمد الطوسي الغزالي، المترجَم في "تاريخ ابن النجار" و"مرآة الجنان" لليافعي وغيرهما، وكتابه مطبوع سماه: "الإلماع في تكفير من يحرم السماع".

- وشهاب الدين الأذرُعي له "الإمتاع بأحكام السماع".

- والشيخ العارف الكبير أبو المواهب محمد بن أحمد بن محمد التونسي المالكي الشاذلي القاهري، له: "فرح الأسماع برخص السماع".

- ومن المتأخرين: حافظ الأمة الأسيوطي ألف في أصل الجهر بالذكر والسماع، والوجد([1]) والسبحة([2])...وغيرها من شعائر الطريق.



- كما ألف في أمثال هذه الأمور من رقص وغيره الشيخ ابن ليون التُجيبي([3]) كتابَه: "الإنارة العلمية في طريق الفقراء المتجردين الصوفية".

- ومحتسب علماء الظاهر والباطن الشيخ عبد الوهاب الشعراني له في هذا الباب عدة مصنفات([4]).

- والعارف المفتي الشيخ أبو محمد عبد الله الهبْطي([5]) المحلي.

- والشيخ أبو القاسم ابن خجّو([6]) له: "ضياء النهار، المجلي لغمام الأبصار، في نصرة الفقراء أهل السنة الأخيار، المبيِّن لما خفي من أحوالهم عن الأبرار".

- والحافظ أبو العباس أحمد بن يوسف الفاسي([7]) ألف: "النصرة" بإذن والده، ووافقه عليها شيخه القصّار.

- والعارف مفتي المذهبين الشيخ عبد الغني النابلسي([8]) الحنفي، له في نصرة الطريقة المولوية ونصرة غيرها من الطرق عدة تآليف؛ منها: "الأسرار، في منع الأشرار، من الطعن [6] في الصوفية الأخيار، أهل التواجد في الأذكار".

- وكذا تلميذه القطب الشيخ مصطفى البكري([9]) من مصر، له في ذلك عدة رسائل.

- وللشيخ أبي عبد الله محمد بن علي الزبّادي([10]): "الطريق الوارية، في الشيخ والمريد والزاوية"، و"روضة البستان، ونزهة الإخوان، في مناقب الشيخ ابن عبد الرحمن".

- وللعلامة الحافظ الحجة الناقد أبي عبد الله محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء اليمن رسالة مطبوعة سماها: "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع".



- وللشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله المكّودي([11]): "الإرشاد والتبيان، في رد ما أنكره الرؤساء من أهل تطوان".

- ولأبي عبد الله محمد بن محمد بن علي ابن سُودة الفاسي([12]): "الحسام المسنون، في نصرة أهل الله المكنون".

- ولأبي عبد الله محمد بن عبد اللطيف جَسّوس([13]): "النصح العام، لكل من قال: ربي الله، ثم استقام".

- ولأستاذنا ومربينا وهادينا، العارف المربي الأوحد، العابد الزاهد، الولي الصالح؛ والدنا أبي المفاخر محمد بن عبد الواحد المدعو: الكبير([14]) الحسني الإدريسي الكتاني رسالته: "نصرة الفيض الأصلي، في الرد على من أنكر التحليق بالمسجد النبوي في محل التجلي".

- ولتلميذه ابن عمنا وصهرنا وشيخنا صالح علماء فاس؛ أبي المواهب سيدي جعفر بن إدريس الكتاني([15]): "مواهبُ الأرَب، المبرئة من الجرَب، في السماع وآلات الطرب".

...وغير هؤلاء ممن لا أستحضر اسمهم الآن.

وقد سميت هذه الرسالة المختصرة:

"نجوم المهتدين، في دلائل الاجتماع للذكر على طريقة المشايخ المتأخرين، برفع الأرجل من الأرض والاهتزاز شوقا إلى رب العالمين".

أو: "شرح الفكر، بذكر دلائل التواجد عند الذكر". أو: "المواهب الجلية، في ذكر دلائل رقص الصوفية".

ولنقدم بين يدي نجوانا مقدمات سبعة:




المقدمة الأولى:

في التحذير من الإقدام على تحريم شيء لم يحرمه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم

فنقول: قال الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}. [النحل/ 116]. وقال جل من قائل: {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون}. [يونس/ 59].

وفي شرح الشيخ مرتضى على "الإحياء"([16]) في أول كتاب السماع ما نصه: "وذكر ابـن قتيبة، أن الرشيد: سأل إبراهيم بن سعد عن مالك، قال [7]: بلغني عنه أنه كان يحرم الغناء. فقال إبراهيم: وهل لمالك أن يحلل أو يحرم؟، لا والله ولا ابن عمك إلا بوحي من الله تعالى. وما أدركتُ أحدا يحرّم الغناء. وأما نحن يا أمير المؤمنين؛ فربما أعددناه في الحسنات".اهـ منه بلفظه.

وقد عرَّف به الإمام أحمد، فقال في حق إبراهيم بن سعد هذا: "إنه ثقة"([17]). وقال ابن معين: "ثقة حجة". وقال العجلي: "ثقة". وقال أبو حاتم: "ثقة". وقال ابن خراش: "صدوق..."..الخ كلامهم فانظره([18]).

وفي الحديث: "إن محرِّمَ الحلال كمحلل الحرام"([19])، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أين من يقف عند حدود الله،؟ والله يقول: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}. [الطلاق/1] ".

أين من يعرِف قدره ويقف عند ما حُد له؟، وعمر بن عبد العزيز يقول: "عاش من عرف قدره وجلس دونه".

أين من يُراقب الله حتى لا يُقدم على أمر حتى يعلمَ حُكم الله فيه؟، والله يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم}. [الإسراء/ 36].

أين من يخاف القوي الشديد؟ والله يقول: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. [ق/ 18]، ويقول: {إن بطش ربك لشديد}. [البروج/ 12].

[قواعد أصولية هامة في التحليل والتحريم]:

ومن "المدارك"([20]): "قال مالك: لم يكن من أمر الزمان ولا مَن مضى من سلفنا الذين يقتدى بهم ومعوَّل الإسلام أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا: أنا أكره كذا وأرى كذا. وأما: حلال وحرام؛ فهذا افتراء على الله، أما سمعتَ قول الله سبحانه: {قل أرآيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون}. [يونس/ 59]. لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرماه!".اهـ بنصه.

قال ابن العربي([21]): "الكلام في المحرمات باب عظيم، ليس ما حرمته السنة كما حرمه القرآن؛ ولهذا قال ابن القاسم: من جمع بين المرأة وعمتها عالما بالنهي؛ دُرئ عنه الحد، لأن تحريمه بالسنة، بخلاف من جمع بين المرأة وأختها؛ فإنه يحد لأن تحريمها بالقرآن!".

وفي الصحيح: قال رسول الله e: "كل ذي ناب من السباع حرام"([22])، قال ابن العربي: "كذا ثبت لفظ حرام في "الموطأ"([23]) والبخاري ومسلم، ويتأول لفظ حرام أي: ممنوع، إذ ليس ما حرمته السنة كما حرمه القرآن".اهـ.

وفي "سنن المهتدين"([24]) للإمام المواق رحمه الله ورضي الله عنه ما نصه: "قال ابن العربي: قول سحنون: من ترك السنة أدِّب. الْتَقَفَ هذا من أسد بن الفرات، وهو لَعمري ملحٌ غير فرات، فإن ظهر المؤمن حِمى، لا يُستباح إلا إذا عصى اللهَ تعالى".

"وتكلم عز الدين([25]) على أموال من غلب على أموالهم الحرام، فقال على آخر قسم منها ما نص الشاهد منه: والعجب ممن يحرم هذا مع كونه كاذبا على الله في تحريمه، ولا ينظرُ إلى أن الامتناع من الكذب على الله في التحريم والتحليل واجب، فإنه لا فرق بين [8] محلل الحرام ومحرم الحلال، والفلاح كله منوط على الوقوف على حدود الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}. [الأحزاب/ 36]".اهـ منه بلفظه.

وقال ابن رشد في "جامع العتبية": "إذا أدى اجتهاد المجتهدين إلى أن الشيء حرام؛ فلا يجوز أن يقول: هو حرام على الإطلاق، لا على القول بتصويب المجتهدين، ولا على قول غيرهم. وهل يجوز أن يقول: هو حرام في رأيي، أم لا؟. أما على أن الحق واحد؛ فلا يجوز له ذلك، وأما على أن كل مجتهد مصيب؛ فجائز أن يقول: هو حرام في رأيي".

"وانظر أيضا: النهي عن الشيء على الجملة إذا ورد مطلقا في القرآن والسنة، قال ابن العربي: هو نهي أدب وإرشاد، إلا أن تدل قرينة؛ فإنه يكون مكروها، ولا يترقى إلى التحريم.اهـ. ونحوه لأبي عمر في "تمهيده"([26]) و"استذكاره"([27]) في غيرما موضع".اهـ.

ونَقَل أيضا أن قاضي القيروان بعث إلى ابن عبد السلام أن بعضهم: أنكر النفير على المنار في رمضان، وقال: "هي معصية في أفضل الشهور، وفي أول قبلة اختطت بالمغرب، وهو: جامع القيروان". قال ابن عبد السلام: "إن عاد إلى مثل هذا فأدبه!".

ثم رشح هذا الإمام البُرْزُلّي قائلا: "إن مسائل الخلاف التي اختلف فيها بالجواز والكراهة لا ينبغي لأحد أن يخالف فيها".اهـ بعد أن نقل عن ابن عرفة أنه قال: "إنما البوقات، إنما هي قوارع، لا يترتب عليها مفسدة إلا إيقاظ الناس للسحور".

وقال البرزلي: "وحاصل هذا: أنهم استعملوها لكون الناس تمالؤوا عليها، ولا ينبني عليها مفسدة شرعية".اهـ.

وفي "سنن المهتدين"([28]) أيضا ما نصه: "قد نص ابن العربي وأبو عمر ابن عبد البر أن بموت النبي e أمِن أن يُلحق بالفرائض ما ليس منها".

ونقل([29]) عن ابن عبد البر أنه قال: "من خاف على أمة سيدنا محمد e ما لم يخف عليها نبيها فقد باء من التعسف بما لا يخفى".

وفيه([30]) أيضا ما نصه: "وقال أبو عمر: ما لم ينه الله عنه ولا نبيه؛ فلا معنى لمن كرهه".اهـ.


المقدمة الثانية

الأصل في ساحة كل مسلم البراءة من التظاهر بما ليس فيه، حتى يدل دليل قاطع على خلافه، وإلا فلا يحل ولا يجوز أن يُرمى مؤمن بما ليس فيه



قال الشيخ زرّوق في "شرح الوَغْلِيسِيّة": "لا يلزم السؤال عن مستور الحال، وسؤالك عنه إذاية له، بل يحرم. وأسواق المسلمين محمولةٌ على الحلال، وكذلك أحوالُهم حتى يتبين خلافه، أو تقوم علامة بَيِّنَةٌ عليه".

وقال أيضا: "لا ينبغي للمتدين أن يلتفت لما يقوله الناس من حِرمة أموال زماننا؛ لعدم علمهم بالبيوع [9]، وتبايعهم بغير وجه يباح إلا في بعض الأحوال النادرة. فالأصل في كل مسلم: حلّيَّة ما بيده حتى يتحقق خلافه أو يظن بعلامة. ومثل هذا الاعتقاد الذي نفينا عنه يؤدي إلى أمور شنيعة لا نطوِّل بذكرها".

وقال في موضع آخر: "فإن من سُتر حالهم من العرب ونحوهم؛ فالغالب في المسلمين اتقاء ما يضر، وليس على المؤمن إلا ما علِمه أو ظنه بعلامة تفيدُ الظن والشكَّ القادحَ، لا مجرد الوسواس. وقد كان في زمن الصحابة الربا والحرام وشبهه من أهل الذمة وغيرهم. ولكنهم كانوا لا يتقون الأموال، حملا لهم على السلامة والأصل. ووقع النهب في المدينة زمن ابن الزبير ثلاثة أيام، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه ترك المعاملة لذلك".اهـ، ونقله الشيخ جَسّوس في شرحه لتصوف ابن عاشر، وسلمه.

وفي "سنن المهتدين"([31]) ما نصه: "وقد نصوا على أن من أقدمَ على حلال صرْفٍ يظنه متشابها؛ أن قلبه يقسو بذلك ويظلم، كما أنه لو أقدم على حرام يعتقد حليته؛ لا يقسو قلبه به، ولا يعاقَب على فعله، وإذا أقدم على حلال صرف يعتقد حرمته؛ فعليه درَكُ المخالفة".اهـ منه بلفظه.

وقد ذكروا([32]) عن سيدنا سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال: "حُرمتُ قيامَ خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته. قيل له: وما هو؟. فقال: رأيت رجلا يبكي، فقلت: لعله مُرائي!".

وذكر الإمام الشعراني في "العهود المحمدية"([33]) أنه: لقي وليا كبيرا وأوصاه بوصية عظيمة، وهي قوله رضي الله عنه: "إنك لو أطعت الله في عمرك كله بأعمال صالحة مخلصة، ووُضِعت في كفة، وأسأتَ ظنك بمسلم واحد في عمرك كله مرة واحدة، ووُضع في كفة؛ لرجح سوء ظنك بأعمالك كلها في عمرك كله!".


([1] ) اسم رسالته: "نتيجة الفكر في الجهر بالذكر" مطبوعة ضمن "الحاوي في الفتاوي للسيوطي".


([2] ) اسم رسالته: "المنحة في السبحة" مطبوعة أيضا ضمن "الحاوي".


([3] ) سعد بن أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي، أبو عثمان681 - 750 هـ: من علماء الأندلس، وأدبائها المقدمين. ولد بالمرية ونشأ بها ولم يخرج منها.وتوفي فيها شهيدا بالطاعون. له أكثر من مئة مصنف، منها في الهندسة والفلاحة، ومنها كتاب "كمال الحافظ في المواعظ"، و "أنداء الديَم في الحكم"، و "لمح السحر من روح الشعر" و"الإنارة العلمية" اختصر به رسالة في أحوال فقراء الصوفية المتجردين لعلي بن عبد الله الششتري، وصحح بعض ما فيه من الأحاديث، وفسر المبهم من معانيه.-قلت: وهو المراد بكلام المؤلف هنا- انظر "الأعلام" للزركلي 3/83.


([4] ) منها: "الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية" ومنها "الأخلاق الزكية والعلوم اللدنية" ومنها "الأنوار القدسية في ملزمة آداب العبودية"....وغيرها كثير


([5] ) عبد الله بن محمد الهبطي أبو محمد ت 963 هـ من كبار الزهاد في المغرب.أصله من صنهاجة طنجة. ولما استولى السلطان محمد الشيخ على ملك المغرب بفاس، دعاه إليه ففاوضه في أمر الدين والأمة. وكان السلطان يطيعه ويجله. صنف كتبا، أكبرها: "الإشادة بمعرفة مدلول كلمة الشهادة "، وله " منظومة - خ " في فقه مالك، والهبط: قبيلة أو بلد بالمغرب. انظر "الأعلام" للزركلي 4/128.


([6] ) هو الشيخ الفقيه أبو القاسم بن علي بن خجّو الحساني، تفقه بحضرة فاس، وأخذ عن كثير من مشايخها كالإمام ابن غازي وسيدي أحمد الزقاق والشيخ أبي الحسن بن هارون والحباك والأستاذ الهبطي وغيرهم...دخل فاس مدعوا إليها في جملة الفقهاء لما تغلب السلطان أبو عبد الله الشيخ على ملك المغرب، فرغب إليه أن يقيم بها أياما لينتفع منه، فأقام أياما، ثم أناخ به أجله فتوفي – رحمه الله – سنة ست وخمسين... ينظر "دوحة الناشر" لابن عسكر 14و15، وله ترجمة موجزة في "الجذوة" 1/111.


([7] ) هو الإمام الحافظ الحجة أبو العباس أحمد بن يوسف بن محمد الفاسي الفهري، من كبار أعلام فاس والمغرب، كانت نسخ البخاري ومسلم تصحح من حفظه، وكان يقول: "لو لم يؤلف ابن عبد البر الاستذكار لوُجد من يؤلفه". يعني نفسه. أخذ عن والده الشيخ أبي المحاسن، وعن الإمام القصار، وله من التآليف: "شرح العمدة" في الفقه، ونزوازل وفتاوى في أمور محتلفة، وشرح على "الشريشية" في التصوف. توفي بعد مرض بالحمى بقرية بوزيري في الأطلس الكبير، بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني، سنة 1021هـ، مهاجرا إلى الله أثناء فتنة العرائش الشهيرة. انظر ترجمته في "مرآة المحاسن" (في مواضع مختلفة)، و"نشر المثاني" (1/160).


([8] ) عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي 1050 - 1143 هـ الشيخ الإمام، مفتي المذهبين، العارف بالله، من ورّاث الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي قدس سره، مكثر من التصنيف، ولد ونشأ في دمشق.ورحل إلى بغداد، وعاد إلى سورية، فتنقل في فلسطين ولبنان، وسافر إلى مصر والحجاز، واستقر في دمشق وتوفي بها.
له مصنفات كثيرة جدا، منها " إيضاح الدلالات في سماع الآلات "- ط "شرح رسالة الشيخ أرسلان"، و"ديوان شعر"، وشرح ديوان ابن الفارض...انظر "الأعلام" للزركلي 4/32



([9] ) مصطفى بن كمال الدين بن علي البكري 1099 - 1162 هـ الصديقي الخلوتي طريقة، الحنفي مذهباً، أبو المواهب. متصوف، من العلماء، كثير التصانيف والرحلات والنظم، ولد في دمشق، ورحل إلى القدس سنة 1122 هـ، وزار حلب وبغداد ومصر والقسطنطينية والحجاز، ومات بمصر. من كتبه "السيوف الحداد في أعناق أهل الزندقة والإلحاد"- ط، و"الذخيرة الماحية للآثام في الصلاة على خير الأنام"- ط، و" المورد العذب لذوي الورود، في كشف معنى وحدة الوجود"- خ، و"الصلوات الهامعة بمحبة الخلفاء الجامعة"- ط في فضائل الخلفاء الأربعة و"الفتح القدسي"- خ أدعية، و"بلغة المريد"- ط أرجوزة في التصوف 213 بيتاً، و"شرح القصيدة المنفرجة".


([10] ) الزبادي: هو الفقيه المؤرخ الناسك المعمر البركة أبو عبد الله محمد الزبادي الفاسي، له "فهرسة" نقل عنها صاحب " سلوة الأنفاس" وله كتاب "سلوك الطريق الوارية في الشيخ والمريد والزاوية" وهو في مجلد، ترجم فيه لكثير من العلماء والأولياء والصالحين والمجاذيب، اعتمده غالباً صاحب "السلوة"، وهو كتاب ممتع في أخبار المغاربة، وكانت وفاته سنة 1209 هـ. من "فهرس الفهارس" 1/462 للحافظ الشيخ سيدي عبد الحي الكتاني رحمه الله.


([11] ) محمد بن عبد الله المكودي، التازي المتوفى سنة 1214 هـ أبو عبد الله، فاضل من علماء وصوفية مدينة تطوان، من آثاره "الإرشاد والتبيان في رد ما أنكره الرؤساء من أهل تطوان"، حققه أخونا الدكتور عبد المجيد خيالي حفظه الله، ينظر "دليل مؤرخ المغرب" لابن سودة ص 485/ 486 و"معجم المؤلفين" 10/250، ومقدمة تحقيق الكتاب المذكور.


([12] ) محمد بن محمد بن علال !!!هكذا في "الأعلام"، أبو عبد الله، ابن سودة، ويقال له النحول، شاعر من علماء المغرب من أهل فاس وبها وفاته سنة 1284 هـ انظر "الأعلام" 7/74.


([13] ) الفقيه العلامة، الصوفي الأنور، كان مولعا بسرد كتب الحديث تبركا واستفادة. لقي القطب الأشهر أبيأ العباس سيدي أحمد التيجاني، ولقي بعده العارف الكبر مولاي العربي الدرقاوي. له من التآليف "نصرة الفقير" توفي رحمه الله عاشر رجب عام 1273 هـ انظر ترجمته في "الشرب المحتضر" ص78، و"إتحاف المطالع"2607 موسوعة، و"السلوة"3/26،.وهو باسم: محمد بن محمد بن عبد اللطيف جسوس..


([14] ) أبو المفاخر محمد بن عبد الواحد الكبير الكتاني ت1289هـ، المعروف عند مترجميه بإمام الأئمة. فإنه كان أواخر القرن الثالث عشر، ورحل للحرمين ولقي جماعة من أهمهم: الإمام محمد بن علي السنوسي، إمام الزاوية السنوسية الشهيرة، وأحد دعاة السنة المعروفين، ثم رجع الإمام أبو المفاخر للمغرب، وأسس زاويته بفاس، وجعل من همه سرد وتدريس كتب السنة والعمل بما فيها.


([15] ) سيدي جعفر بن إدريس الكتاني، الحسني، الإدريسي، الفاسي، المالكي أبو المواهب، شيخ الإسلام بالمغرب، عالم، فقيه، محدث، نسابة، صوفي. توفي بفاس في منتصف شعبان عن نيف وسبعين سنة.من تصانيفه الكثيرة "الرياض الريانية في الشعبة الكتانية ذات المحاسن الفاشية الكافية"، "حواش على الصحيحين ملأها فقها محررا"، "حاشية على جامع الترمذي"، "حقيقة الحقائق في مولد الشفيع المشفع وخير الخلائق"، "الشرب المحتصر والسر المنتظر من معين بعض أهل القرن الثالث عشر"، و"رسالة في أحكام أهل الذمة". ينظر "معجم المؤلفين" 3/133-134.


([16] ) "إتحاف السادة المتقين" 6/457.


([17] ) قال الذهبي في "الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم" ص37: "إبراهيم بن سعد من أئمة العلم وثقات المدنيين، كان يجوّز سماع الملاهي ولا يجد دليلا ناهضا على التحريم، فأداه اجتهاده إلى الرخصة، فكان ماذا؟!. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي قال: ذكر يحيى بن سعيد عقيلا وإبراهيم بن سعد فجعل كأنه يضعفهما يقول عقيل وإبراهيم، ثم قال أبي: هؤلاء ثقات لم يخبرهما يحيى. قال: وحدثنا وكيع مرة عن إبراهيم بن سعد ثم تركه بأخرة .قلت: اتفق أرباب الصحاح على الاحتجاج بإبراهيم بن سعد مطلقا".اهـ.


([18] ) وهذه النقولات تُستفادة من كتب التراجم العامة والخاصة، ينظر منها مثلا: "تذكرة الحفاظ"للذهبي 1/252، و"سير أعلام النبلاء" 8/304، و"معرفة الثقات" للعجلي 1/201، "والجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 2/101، و"التعديل والتجريح" لأبي الوليد الباجي 1/355، "وتهذيب التهذيب" 1/105، وغيرها...


([19] ) رواه الطبراني في" المعجم الأوسط" 8/67 عن عبد الله بن عمر مرفوعا، بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" 1/176.


([20] ) "ترتيب المدارك" 1/41.


([21] ) من "سنن المهتدين" ص260.


([22] ) هذا لفظ مسلم في "صحيحه" 3 /1435 ح 1933 عن أبي هريرة، وهو عند البخاري في "صحيحه" 5/2103 ح 5207 عن أبي ثعلبة الخشني بلفظ آخر مقارب.


([23] ) 2/496 رواه مالك من حديث أبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني رضي الله عنها. أما البخاري؛ فلم أقف على لفظة "حرام" منسوبة إلى حديث "كل ذي ناب من السباع" كما قال ابن العربي والله أعلم، إنما لفظه هكذا: "نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ناب من السباع".


([24] ) ص 260.


([25] ) ينظر "سنن المهتدين" ص262.


([26] ) ينظر مثلا من "التمهيد" 1/140 و 1/395.


([27] ) ينظر من "الاستذكار" مثلا 4/90 و5/288.


([28] ) ص 232.


([29] ) ص 233 وكلام ابن عبد البر المنقول في "التمهيد" 24/267.


([30] ) "سنن المهتدين" ص 240 وكلام أبي عمر منقول من "التمهيد" 20/79.


([31] ) ص 251.


([32] ) ذكر ذلك الغزالي في "الإحياء"3/365، وانظر "حلية الأولياء" 7/17 خلال ترجمة سفيان، لكن لم يذكر فيها سبب حرمانه من القيام.


([33] ) ص622 من "لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 7:56

وقد ذكر في كتبه كلها؛ ك"العهود الكبرى"، و"الصغرى"، و"المنن"...عن أشياخه: "أنا لا نحاسَب على حُسن الظن ولو حَسّنّاه فيمن لا يستحق ذلك، بخلاف العكس؛ فإنا نحاسَب عليه ولو أسأناه فيمن يستحق ذلك؛ لأنه ربما ذلك لا يوافق الواقع، وربما زدنا على ذلك بالتحقق".

وفي الحديث: "إذا ظننتم فلا تحققوا"([1]). قال الإمام الحفني: "أي: فلا تأخذوا في أسباب التحقيق لذلك الآخذ؛ لأنه ينبغي الستر".اهـ.

قال تعالى: {ولا تقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين}. [هود/31]، {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا}...الآية [النساء/94]..




المقدمة الثالثة [10]

[لا يحمل المجتهد الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنما يغير المجمع على إنكاره]

في "سنن المهتدين"([2]) ما نصه: "قال عياض في أول "الإكمال"([3]): لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنما يغير منهم ما أُجمِع على إحداثه وإنكاره".

"ورجّح([4]) هذا محيي الدين النووي قائلا: أما المختلَف فيه؛ فلا إنكار فيه، وليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه، إذا لم يخالف نص القرآن والإجماع".

"ونقلتُ من خط صاحبنا ابن طركاك رحمه الله فتيا للشاطبي قال: الأوْلى عندي في كل نازلة يكون لعلماء المذهب فيها قولان فيعملُ الناس فيها على موافقة أحدهما وإن كان مرجوحا في النظر: أن لا يتعرض([5]) لهم، وأن يجروْا على أنهم قلدوه في الزمان الأول، وجرى به العمل. فإنهم إن حملوا على غير ذلك؛ كان فيه تشويش للعامة وفتح لأبواب الخصام. وربما يخالفني في ذلك غيري، لكن ذلك لا يصدني عن القول به، ولي فيه أسوة".اهـ.

وفيه([6]) أيضا ما نصه: "وينبغي للمتورع أن يتورع في خاصة نفسه، ولا يحل له ولا يجوز أن يحمل الناس على ورعه. فإن الورع فضل وليس بفرض. يوشك أنه إن أشار عليهم بحال نفسه؛ أن يُدخل عليهم شغبا في دينهم، وحَيرة في قلوبهم. وقد لا يتركون فيفعلون وفي قلوبهم حزازة".اهـ بلفظه.

وقال المواق في "التاج والإكليل"([7])، عند قول الشيخ خليل: "ومسمِعٍ واقتداءٍ به"، بعد كلام له: "وكان سيدي محمد بن سراج يقول: إذا جرى عملٌ على شيء له مستَنَد صحيح، وكان للإنسان مختارٌ غيره: لا ينبغي له أن يحمل الناس على مختاره فيدخلُ عليهم شغَبًا في أنفسهم وحيرةً في أمرهم. إذ مِن شرط التغيير: أن يكون متفَقا عليه".اهـ.


المقدمة الرابعة

[شروط الإنكار والانتقاد على السادة الصوفية]

في أول "اليواقيت والجواهر"[8] للإمام الشعراني - رضي الله عنه - في الفصل الثاني ما نصه: "وكان شيخ الإسلام المخزومي يقول: لا يجوز لأحد من العلماء الإنكارُ على الصوفية إلا إن سلك طريقهم، ويرى أفعالهم مخالفة للكتاب أو السنة. وأما الإشاعة عنهم؛ فلا يجوز به الإنكار عليهم ولا سبهم. وأطال في ذلك، ثم قال: وبالجملة؛ فأقل ما يجب على المنكِرِ حتى يسوغ له الإنكار: أن يعرف سبعين أمرا، ثم بعد ذلك يسوغ له الإنكار:

منها: غوصه في معرفة معجزات الرسل على اختلاف طبقاتهم، وكرامات الأولياء على اختلاف طبقاتهم، ويؤمن بها، ويعتقد أن الأولياء يرثون الأنبياء في جميع معجزاتهم إلا ما استثني.

ومنها: اطلاعُه على كتب التفسير [11] والتأويل وشرائطه، ويتبحر في معرفة لغات العرب في مجازاتها واستعاراتها حتى يبلغ الغاية.

ومنها: كثرة الاطلاع على مقامات السلف والخلف في معنى آيات الصفات وأخبارها، ومَن أخذ بالظاهر ومن أوّل، ومَن دليله أرجح من الآخر.

ومنها: تبحُّره في علم الأصوليين ومنازع معرفة أئمة الكلام.

ومنها وهو أهمها: معرفة اصطلاح القوم فيما عبّروا عنه من التجلي الذاتي والصوري، وما هو الذات وذات الذات، ومعرفة حضرات الأسماء والصفات، والفرق بين الحضرات، وبين الأحدية والواحدية، ومعرفة الظهور والبطون، والأزل والأبد، وعالم الغيب والسكون، والشهادة والشؤون، وعلم الماهية والهوية، والسُكْر والمحبة، ومن هو الصادق في السكر حتى يُسامَح، ومن هو الكاذب حتى يؤاخَذ...وغير ذلك...

فمن لم يعرف مرادهم كيف يفهم كلامهم أو ينكر عليهم بما ليس من مرادهم؟".اهـ منه بلفظه.

وفي "عهود المشايخ" له أيضا ما نصه: "أُخذ علينا العهود أن لا نمكن أحدا من أصحابنا أن يفتح باب المجادلة بغير علم مع أحد، عملا بقوله e ([9]): لا يجادل في الدين إلا منافق أو مرتاب في دينه".

"وإنما قيدنا لهم المجادلة بقولنا: بغير علم. ليخرج من جادل بعلم في دين الله، فإن ذلك واجب. ولا يصل العبد إلى مرتبة العلم، ويسمَى من المجادلين بعلم، إلا إن علم جميع طرق الشريعة".

"وفي الحديث: إن الشريعة جاءت على ثلاثمائة وثلاثة عشر طريقة، ليس منها طريقة يلقى العبد بها ربه إلا دخل الجنة. رواه الطبراني([10]) وغيره".

"فمن كان عارفا بجميع هذه الطرق ورأى طريقا تخالفها كلَّها؛ فله الجدال، وإن جهل منها ولو طريقة واحدة فلا ينبغي له الجدال، لاحتمال أن يدحض طريقة من طرق الشريعة، ويتبرأ من العمل بها فيفوته خير كثير، ويصير معدودا ممن ينكر الشرائع".اهـ منه بلفظه.

وفي حاشية العارف بالله أبي زيد سيدي عبد الرحمن الفاسي - رضي الله عنه - في كتاب الفرائض من "صحيح" البخاري ما نصه: "إن الموازين الشرعية كلياتٌ وعموميات، وقد يكون مراد الحق تعالى في خصوص نازلةٍ خلافَ ما تقتضيه العمومات، ولذلك الخواصُّ يفتقرون إلى إذن خاص في كل نازلة نازلة. واعتبرْ بتكريره تعالى فيما أخبر به عن سيدنا عيسى عليه السلام: {بإذني}، من إبراء الأبرص وإحياء الموتى [12] وغير ذلك".اهـ منه باللفظ.


المقدمة الخامسة

العارفون أفضل من أهل الأصول والفروع

في "سنن المهتدين"([11]) أيضا ما نصه: "وقد تقدم للسيد مفتي تونس البرزلي قوله: رأيت كثيرا من أشياخي ليس ذلك طريقتهم. يعني: لا ينكرون على مثل هؤلاء القوم، ولا يجوز أن يُستدَل على مثل هؤلاء بقوله تعالى: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. [الكهف/ 104]".

"وفي "التمهيد"([12]): من سرته حسنته وساءته سيئته. قال e: إنه مؤمن([13])، فمن كان هكذا فكيف تكون له الشهادة بغير الإيمان؟".

قال: "وقد ضلت جماعة وخالفوا أهل السنة واستدلوا بظواهر قوله تعالى: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}".اهـ. فالآية إنما نزلت في الكفار.

وقال ابن العربي في "سراج المريدين": "ولقد رأيتُ في هذه الطائفة أعيانا أجلة، علما وخشية وكرامات كثيرة، يُفخر بهم على سائر الملل، وإن كان منهم مَن هو متصفٌ بصفات مذمومة؛ فإنهم كسائر الطوائف من أصناف العالمين، فيهم الغث والسمين والصالح والطالح".اهـ.

ثم نقل عن الإمام الشاطبي في "موافقاته"([14]): "الصوفية حجة في علومهم، وهم صفوة الله من الخليقة باتفاق".

ونقل أيضا ما نصه: "قال في "الرسالة"([15]): جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضّلهم على الكافة من غير تمييز بعد رسُله وأنبيائه".

"وسُئل عز الدين ابن عبد السلام عن قول القشيري هذا وقولِ أبي حامد الغزالي: الصوفية أفضل من العلماء الراسخين. فقال: قول أبي حامد والقشيري متفق، ولا يشك عاقل أن العارفين بالله أفضل من العارفين بأحكام الله، بل العارفون أفضل من أهل الأصول والفروع".اهـ.


المقدمة السادسة

[ماهية البدعة وأقسامها]

روى البيهقي عن الشافعي في "مناقبه" أنه قال: "المحدَثات من الأمور ضربان: ما أُحدث مما يخالف كتاب الله أو سنة رسول الله أو أمرا أو إجماعا؛ فهذه بدعة ضلالة. وما أُحدث مما يوافق واحدا مما ذُكر؛ فهذه بدعة محمودة. ولهذا قال عمر في قيام رمضان جمعا: نعمة البدعة هذه!". اهـ. نقلها جلال الدين السيوطي في "مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه".

وفي "سنن المهتدين"([16]) أيضا ما نصه: "قال أبو عمر ابن عبد البر: البدعة المذمومة هي: التي تخالف السنة. ونحو هذا هي عبارة أبي حامد في "الإحياء". وزاد: وتكاد تفضي إلى تغييرها، فلا يكره كل ما لم يكن في السلف؛ فإنه وإن لم يكن [13] فيهم فلم يرد فيه نهي. ونحو هذا عبارة شيخ الشيوخ الذي نقلده نحن في الأموال والفروج الشيخ ابن لُب"...وأطال في ذلك فانظره([17]).


المقدمة السابعة

[شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

نص العلماء - رضوان الله عليهم - على أن من شروط النهي([18]) عن المنكر:

- وُسع علمه، خصوصا في تلك المسألة التي أراد أن ينكرها.

- وكثرةُ اطلاعه لجميع مظانها؛ لأنه ربما أنكر شيئا أحلته الشريعة. وإلا فيحرم عليه ذلك الإنكار، لما في الحديث: "إن محرِّم الحلال كمحلل الحرام"([19]). فيكون كاذبا على الله ذي الجلال والإكرام. وليس الكذب على الله كالكذب على أحد من الناس.

وإذا كان من كذب على النبي e يتبوأ مقعده من النار، وهو حديث متواتر([20]) عن النبي المختار e، فكيف بالكذب على رب الأرباب، ومعتق الرقاب؟.

وقد أخرج الديلمي([21]) من حديث أبان، عن أنس مرفوعا: "لا ينبغي للرجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى تكون فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عالم فيما يأمر، عالم فيما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل فيما ينهى".

وهذا حين الشروع في المقصود، معتمدا ومستعينا ومعتصما بربنا المعبود، ومستمدا من حضرة سيد الوجود صلى الله تعالى عليه وسلم وآله. فنقول:

[الذكر الجماعي وأدلته من السنة وعمل السلف]

اعلم - أولا - أن ذكر الله من أفضل القربات، وأجمل الطاعات، وأكمل خصال ذوي السجايا الفاضلات، ويكفي في فضله: {فَاذُكُرُونِي أَذُكُرُكُمُ}. [البقرة/ 152]. فأي شرف للعبد كهذا الذكر الإلهي المقدس، لهذا المسيء الملطخ بأنواع القاذورات والأدران؟.

ولا جرَم أن الذكر يستر العيوب، بل يمحو الذنوب كما يُشَتِّت الريحُ العاصف أوراق الشجرة اليابسة. ولذلك اجتمعت الأمة سلَُفها وخلَُفها على أنه من أفضل الطاعات.





واعلم - ثانيا - أن الاجتماع على الذكر في المساجد وغيرها أمرٌ مرغّب محبوب، ومن الله ورسوله مطلوب.

ويكفي مُرغبا فيه خصوصا وفي الذكر عموما: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه في "الصحيحين"([22]) وغيرهما قال: قال رسول الله e: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله؛ تنادوا: هلُمُّوا إلى حاجتكم. فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء. فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟. قال: يقولون يُسَبِّحونك ويذكرونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل [14] رأوني؟. قال: فيقولون لا والله ما رأوك. قال: فيقول: كيف لو رأوني؟. قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا. قال: فيقول: ما يسألوني؟. قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال: فيقول: هل رأوها؟. قال: يقولون: لا والله يا رب. فيقول: كيف لو رأوها؟. قال فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة. قال: فمِمَّ يتعوذون؟. قال: [ييقولون][23]تعوذون من النار. قال: فيقول: وهل رأوها؟. فيقولون: لا والله ما رأوها. قال: فيقول: كيف لو رأوها؟. قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة. قال: فيقول: أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم. قال: فيقول ملك من الملائكة فيهم: فلانٌ خطّاء ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم القوم لا يشقى جليسهم". هذا لفظ البخاري([24]).

وأخرج البزار([25]) عن أنس عن النبي e: "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حِلَق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى، فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك محمد e، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول الله تبارك وتعالى: غشُّوهم رحمتي فهم الجلساء لا يشقى جليسهم".

وأخرج الطبراني في "الصغير"([26]) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "مَرَّ النبي e على عبد الله بن رواحة وهو يُذَكِّرُ أصحابه، فقال رسول الله e: أما إنكم الملأ الذين أمرني ربي أن أصبر نفسي معكم. ثم تلا هذه الآية: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه..إلى قوله: وكان أمره فرطا}. [الكهف/ 28]. أمَا إنه ما جلس عُدَّتكم إلا جلس معهم عُدَّتهم من الملائكة، إن سبحوا الله تعالى سبحوه، وإن حمدوا الله حمدوه، وإن كبّروا الله كبروه، ثم يعمدون إلى الرب جل ثناؤه وهو أعلم بهم، فيقولون: يا ربنا عبادك سبحوك فسبحنا، وكبروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا، فيقول ربُّنا: يا ملائكتي؛ أشهِدكم أني قد غفرت لهم. فيقولون([27]): فيهم فلان وفلان الخطاء. فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم!".


([1] ) قال المناوي في "فيض القدير" 1/330: "رواه ابن عدي – أي: في "الكامل"4/314- عن أبي هريرة. قال عبد الحق: إسناده غير قوي وقال ابن القطان: فيه عبد الرحمن بن سعيد مدني ضعفه ابن معين وعبد الله المقبري متروك".

قلت: وروي عن جابر رضي الله عنه كما في "كشف الخفا" 1/111 قال المناوي عن رواية جابر في "الفيض"1/ 400: "رواه ابن ماجه عن جابر. ورواه عنه أيضا الديلمي وهو ضعيف لكن له شواهد".


([2] ) ص 263.


([3] ) 1/289.


([4] ) في "سنن المهتدين": ورشح.


([5] ) في "سنن المهتدين" يعرض.


([6] ) ص251.


([7] ) 2/121.


([8] ) ص16.


([9] ) لم أقف عليه بهذا اللفظ.


([10] ) لم أقف عليه لا عند الطبراني ولا عند غيره.


([11] ) ص 215.


([12] ) 17/24.


([13] ) رواه الترمذي في "سننه" 4/465 ح 2165 والنسائي في "الكبرى" 5/388 ح 9223 عنه.


([14] ) 4/239.


([15] ) "الرسالة القشيرية" ص 32.


([16] ) ص 230.


([17] ) انظر تفصيلا في موضوع تقسيم البدعة مقدمة كتاب "لسان الحجة البرهانية في الذب عن شعائر الطريقة الأحمدية الكتانية"، لنجل المؤلف الإمام أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني قدس سره، بتحقيقنا، طبع دار الكتب العلمية.


([18] ) هكذا في الطبعة الحجرية المعتمدة، ولعل الصواب: "الناهي".


([19] ) رواه الطبراني في" المعجم الأوسط" 8/67 عن عبد الله بن عمر مرفوعا، بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" 1/176.


([20] ) رواه البخاري 1/52 ح 110 عن أبي هريرة وعن غيره، وعنه مسلم 1/10 ح 3 وعن غيره. وهو حديث متواتر مروي عن أكثر من بضع وسبعين صحابيا، بل منهم من أوصلهم إلى المائة صحابيا، كما ذكر ذلك باستيفاء وتفصيل الإمام الحافظ سيدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله في "نظم المتناثر" ص12.


([21] ) "مسند الفردوس" 5/138 هكذا رواه مرفوعا وهو في "حلية الأولياء" 6/379 وغيرها من كلام سفيان الثوري. وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" 2/334: "لم أجده هكذا وللبيهقي في "الشعب" من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف".


([22] ) رواه البخاري 5/2353 ح 6045 ومسلم 4/2069 ح 2689 كلاهما عن أبي هريرة.


(2) زيادة من صحيح البخاري غير ثابتة في النسخة المعتمدة.


([24] ) بل هو قريب من لفظه.


([25] ) كما في "الترغيب والترهيب" للمنذري 2/260 و"الدر المنثور" للسيوطي 1/367.


([26] ) 2/227 وقال الحافظ الهيثمي في "المجمع" 10/76: "وفيه محمد بن حماد الكوفي وهو ضعيف".قلت: لكن للحديث شاهدان.


([27] ) في النسخة المعتمدة: فيقول.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 7:57

قال الشيخ الحافظ أبو العباس أحمد بن يوسف الفاسي بعد ذكر ما سبق: "فهذه الأحاديث صريحة في ندب الجمع لعين الذكر بالترغيب في سياقه. وما وقع فيها من أن: فيهم من ليس منهم، فيقول [15] تعالى: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. فأُخذ منه جواز قصد الاجتماع لعين الذكر بوجه لا يسوغ تأويله، كالذي أخرجه مسلم([1]) والترمذي([2]) وابن ماجه([3]) عن أبي هريرة وأبي سعيد: شَهِدا على رسول الله e أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده. الذي تُؤُوِّلَ بالعلم، مرة وبذكر الآلاء أخرى، وحمل على ظاهره أيضا. فَسَقَطَ التمسُّك به في أعيان الأذكار كدلالته على ما تُؤُوِّلَ به لاحتماله".

"قال الشيخ أبو العباس زرّوق: فإن قيل: يجتمعون وكلُُّ على ذكره، فالجواب: إن كان سِرََّا؛ فجدواه غيرُ ظاهرة، وإن كان جهرا وكلٌّ على ذكره؛ فلا يخفى ما فيه من إساءة الأدب بالتخليط وغيره مما لا يسوغ في حديث الناس فضلا عن ذكر الله، فلزم جوازَه بل ندبه بشرطه".

"نعم، وتأويل التسبيح والتحميد والتمجيد بالتذاكر في التوحيد من أبعد البعيد، فتأويله غير مقبول لبُعده عن الأفكار حتى لا يخطر إلا بالأخطار. وذلك من مقاصد الشرع بعيد جدا، فافهم!".

[لا التفات لمن قال: لو كان الذكر الجماعي صوابا لفعله الصحابة]:

"فإذا تقرر هذا وصح ندبُ الجمع للذكر بالأحاديث المتقدمة؛ فلا التفات لما يقال أنه: لو كان صوابا لفعله الصحابة؛ لأنهم شغلهم حكم الوقت الذي هو أهم من الاجتماع للذكر والتفرغ له من نشر العلم والجهاد، وغير ذلك، مع كونهم أقوياء يصلح بهم الانفراد، إذ لا حاجة لهم إلى أن يعمل البعض على رؤية البعض كحاجتنا نحن إلى ذلك. وكان الدين عندهم غضا طريا، وشعائره ظاهرة مثابر عليها، لا ضرورة تلحقهم إلى امتثال هذا"...

حتى قال الشيخ أبو العباس زروق: "لعل الشارع إنما قصد بترغيبه من بعد العصر الأول لاحتياجهم له، على أن الصحابة استعملوه عند إمكانه مع ما هم فيه؛ كالأسفار والأعياد وأدبار الصلوات وغير ذلك".

"وقد حُكِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه: كان إذا صلى العشاء؛ أخرج الناس من المسجد، فتخلف ليلةً قومٌ يذكرون الله، فأتى إليهم، فعرَفهم، فألقى درته وجلس وجعل يقول: يا فلان؛ ادع الله لنا، يا فلان؛ ادع الله لنا، يا فلان؛ ادع الله لنا، حتى صار الدعاء إلى عمر، فكانوا يقولون: عمر فظ غليظ، وما رأينا من الناس تلك الساعة أرق من عمر بن الخطاب أحدا".

"فبان بهذا أنه: لا وجه لإنكار الجمع للذكر أصلا؛ لأن قواعد الشريعة تشهد له، ولا فيها ما [16] يدفعه".اهـ.

وقال الشيخ العارف بالله سيدي محمد ابن عَبّاد: "والذي يظهر لي: أن الدين إذا ذهب، والإيمان إذا سُلب، وتمسك الناس بشيء من آثاره كأمثال هذه المسائل؛ لا ينبغي لأحد أن ينكرها، فيبقى الناس بلا دين ولا رائحة دين. ولا ينبغي أن يقال: لو كان هذا جائزا أو مندوبا لفعله السلف رضي الله عنهم؛ لأن أصولَ الدين كانت عندهم راسخةً قويةً، وفروعَه كما تلقوها من رسول الله e غضةً طريةً، فلم يحتاجوا إلى شيء من هذه المراسم. كما لم يحتاجوا إلى تدقيق النظر في نوادر المسائل الفقهية، ولا وضعوا الكنانيش فيها، فإن فرضتَ ذلك بدعة مذمومة؛ فهذا أيضا مثلها".اهـ.

ومن هذا المعنى ما قاله سيُّدنا الإمام سيدي عبد الله الهَبْطي في بعض أجوبته في المسألة: "وربما تجد عالما على كرسي وهو يعِيب الذكر بالحلق ويعلله بأن: ذلك لم يكن في عهد السلف الصالح!. أترى أن طلوعه على الأعواد ونقله العلم من الجلود، من أين هو؟، من فعل السلف الصالح أم من محدثات الأمور؟".اهـ.

وذكر صاحب "المنهاج الواضح في تحقيق كرامات أبي محمد صالح": أن من أدلة الاجتماع على الذكر ورَدِّ بعض الذاكرين على بعض: قوله تعالى: {يا جبال أوبي معه والطير}. [سبأ/ 10]، قيل: "سبحي معه متى سَبَّحَ، قاله أبو عبيدة. وذكر أنه بلسان الحبشة([4]). وقال قتادة وأبو عبيد: رجِّعي معه بالتسبيح".




[الجهر بالذكر وأدلته من الكتاب والسنة]

واعلم - ثالثا - أن الجهر بالذكر الجمهور على جوازه أو طلبه.

فقد قال الشيخ الحافظ أبو العباس سيدي أحمد بن يوسف الفاسي في "نصرته": "الذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها، المحققين بقواعد الشريعة وفروعها، واتفق عليه الصوفية وكافة أهل الأقطار في متأخر هذه الأعصار، ومضى به العمل ولم يزل معروفا: جوازُ الجهر بالذكر واستحبابُه وندبُه، وكذا الجمع له".

"ومن دلائله: ما أخرجه أحمد بن حنبل، والبخاري ومسلم، والترمذي وابن ماجه([5]) عن أبي هريرة عن النبي e: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم...الحديث".

"وأخرج الطبراني([6]) بإسناد حسن([7]) عن، معاذ بن أنس،، [عن أبيه] [8]، قال: قال رسول الله e: قال الله جل ذكره: لا يذكرني في نفسه إلا ذكرته في [17] [ملإ من]([9]) ملائكتي، ولا يذكرني في ملإ إلا ذكرته في الملإ([10]) الأعلى".

"وأخرج البزار([11]) بإسناد صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي e: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم؛ إذا ذكرتني خاليا ذكرتُك خاليا، وإذا ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملإ خير من الذين ذكرتني فيهم".

"قيل: ومن أدلته: {كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا}. [البقرة/ 200]. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله e إلا بالتكبير. رواه البخاري([12]) ومسلم([13])".

"والجهر في ذكر العيد، وأدبار الصلوات، وبالثغور والأسفار، حتى قال e -حسبما في الصحيحين([14]): اِربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا!. وجهر e - فيما مر عنه - بأذكار وأدعية في مواطن جمة. وكذا السلف رضي الله عنهم".

"وفي مسلم([15]) عن أنس قال: كانوا يرتجزون ورسول الله e معهم وهم يقولون:


اللهم لا خير إلا خيرُ الآخرة



فانصر الأنصار والمهاجرة"



"وفي مسلم([16]) عن البراء قال: كان رسول الله e يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، ولقد وارى [الترابُ]([17]) بياضَ بطنه وهو يقول:


والله لولا أنت ما اهتدينا
فأنزلن سكينة علينا



ولا تصدقنا ولا صلينا
إن الألى [قد]([18]) أبــوا علينا



قال: وربما قال:


وإن الملأ [قد] أبوا علينا



إذا أرادوا فتنة أبينا



"ويرفع بها صوته. وأخرج نحوه([19]) عن أنس - أيضا - في آخر حديث بناء مسجد الرسول e. وكل هذه أدلةٌ على الجهر والجمع".اهـ كلام "النصرة"([20]).

[جواب مفتي الشافعية إبراهيم السقا في الجهر بالذكر وغيره من شعائر الطريق]

وقد وقفتُ على جواب لشيخنا ومُجيزنا شيخ الإسلام بالديار المصرية، وعالم الشافعية بالجهات الشرقية، المسن البركة؛ أبي إسحاق إبراهيم السقا([21])، في الجهر بالذكر وغيره من شعائر الطريق، يُكتب بسواد العيون، وهذا نصه:

"الحمد لله؛ الجهرُ بالذكر مطلوب، مُرَغَّبٌ فيه محبوب، بنص الصادق المأمون([22]): اذكروا الله حتى يقولوا مجنون".

"والذاكر في نفسه، المُسِرُّ عن أبناء جنسه، لا يتأثر رميُه لذكره بالجنون؛ إذ لا يَعلم أحد سره المكنون، فلا يحصل امتثال [18] شريف هذا الأمر، إلا برفيع الصوت وشديد([23]) الجهر، والخروج فيه عن المعتاد المألوف، حتى يصل في اعتقاد أهل الانتقاد إلى رتبة المنكَر ويتنصل من درجة المعروف، وإنشاد كلام العارفين، لتذكير نفوس المحبين، منتظم في سلك: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}. [الذاريات/ 55]".

"فمُنكر هذين على أهل السلوك، من أهل الوساوس والشكوك، أو هو صاحب هوى مبتدع، حائد برأيه غير متبع".

"وقوله: إنكم تدعون سميعا. فلا حاجة لرفع الصوت؛ مُسَلَّمُ المقدِّمتين، لكنه حق قد أريد به الباطل والبهتان المبين. إذ لم يَدَّعِ الذاكر الجاهرُ صممَ الإله، ولا حاجة لرفع صوته لنحو تلاوة. فإن أراد: لا حاجة للذاكر. فهو محجوج بحاجة امتثال الأوامر، وكأنه تشتيت، وما درى بأنكم لا تدعون أصم ولا غائبا من أفضل الورى عليه الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه الكرام. وترك آخر الحديث اِربعوا على أنفسكم. بمعنى: أرفقوا بها، المشير لعلة الإضرار، ولولاها ما أمر ولا نهى. وأرواح المحبين تَحِنُّ أبدا إلى الأنين، بل يحق لها البكاء والعويل، إذ لا تشبع بقليل بدل جليل".

"فرفع الأصوات بذكر المحبوب، أحسن وأولى من بكاءٍ على فوات المطلوب، وشغل للأسماع عن ترهات الأقوال، حتى يصل الذاكر بصرف جوارحه وحواسه إلى المقام العال، ولذا أمر بسد العينين وتضييق المجاري، وسهر الليل وترك الأنام وما هو بينهم من الكلام سائر ساري جاري. فلا يجاب هذا المعارِض لما رام، بل يُزجر، ويُكَفُّ عنه...والسلام".

"فإن كان إنكاره لمنكَر اقترن بما في السؤال؛ فلا يخفى حكم المنكرات، ويدور على أمرها الحال. فإن ثبتت؛ وجب النهي عنها حتى يخرج المتلبس بها عن مناكره ويتنصل منها، والله أعلم. كتبه الفقير إلى ربه الجاني: إبراهيم السقا الشافعي، الخطيب بالأزهر".

[جواب مفتي الحنفية محمد حسن الكتبي في الجهر بالذكر وغيره من شعائر الطريق]

ومن جواب لمفتي الحنفية بمكة المشرفة: الشيخ محمد حسن الكتبي الحنفي المكي، ما نصه:

"الحمد لله؛ حيث كان الرجل ومن تبعه على هذه الصفات؛ فهُمْ على أكمل الأحوال، ولا يسوغ الإنكار عليهم بأنهم مراؤون؛ فإن الرياء والإخلاص من أعمال القلوب. وهي مما لا يُطلع عليه، فلا يُطلق المنع بسبب الرياء، إذ لا يتحقق في كل شخص".

"ومن القواعد الفقهية: الأمور بمقاصدها، وهي مأخوذة من حديث: إنما الأعمال بالنيات([24])، والاحتجاج بما ظاهره الحظر، لا يصح للجواب عن ذلك. والجمعُ بين الأحاديث في كثير من المصنفات وفتاوي الأئمة الحنفية والشافعية".

"قال الإمام [19] السيوطي في "الفتاوى الحديثية"([25]): سألتَ أيها الأخ أكرمك الله عما اعتاده السادات الصوفية من حِلق الذكر والجهر ورفع الصوت بالتهليل، فهل ذلك مكروه أم لا؟. الجواب: لا كراهة في شيء من ذلك قطعا؛ لثبوت ذلك بالأحاديث الصحيحة".

"ثم ذكر أربعة وعشرين حديثا([26])، منها ما يتعلق بالذكر في المجالس، والذكر في الخلوة، والذكر في الملإ، والذكر في الأسواق، والذكر الذي يشهد به الجبال والبيوت وسائر الأمكنة. وقال: فإنها مما لا يكون إلا بالجهر".اهـ.

"وأدلة الذكر الجهري كثيرة:

"منها: ما رُوي([27]) عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله e إذا سلم من صلاته قال بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".



"وأخرج أبو شجاع الديلمي في "مسند الفردوس"([28])، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: من قال: لا إله إلا الله، ومدَّ بها صوته؛ أسكنه الله دار الجلال، ورزقه النظر إلى وجهه".

"وأخرج البيهقي([29])، عن زيد بن أسلم قال: قال ابن الأورع: انطلقتُ مع النبي e ليلةً، فمَرَّ في المسجد على رجل يرفع صوته بالذكر، فقلت: يا رسول الله؛ عسى أن يكون هذا مرائيا؟. قال عليه السلام: لا، ولكنه أواه!".

"وأخرج ابن مردويه([30])، عن جابر رضي الله عنه قال: إن رجلا كان يرفع صوته بذكر الله، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته. فقال عليه السلام: دعه؛ فإنه أواه!".

"ونقل السيوطي في "الدر المنثور"([31]) في تفسير قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم}. [التوبة/ 114] أحاديث في تفسير الأواه، منها: الذي يكثر ذكر الله. ومنها: الذي علق قلبه بالله. ومنها: إنه الموقن. وهو: لغة الحبشة، ومنها: أنه الذي يكثر التأوه".

"ونقل الفاضل الشهير بـ: طاش كبرى زاده، في شرح الجزري أن: الجهر بالأذكار والإسرار بها منقول عن النبي e، فهما جائزان، لكن إذا لم يُخلص نيَّته من الرياء؛ فالإسرار أولى".

"ولا يخفى أن الإخلاص والرياء مما لا يُطَّلَعُ عليه، فليس لأحد أن ينكر على أحد بأنه مُراء، ولذا ورد: اذكروا الله ذكرا كثيرا حتى يقول المنافقون: إنكم مراءون".

"وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"([32])، وفي "الزهد"([33])، والبيهقي في "شعب الإيمان"([34])، وسعيد بن منصور في "مسنده"([35]) عن أبي الجوزاء رضي الله عنه.

وأخرجه - أيضا - الطبراني في "الكبير"([36]) [20]عن ابن عباس رضي الله عنه".

"وفيه توبيخ عظيم وزجر فخيم لمن طعن في الذكر الجهري. والأحاديث في الجهر بالذكر كثيرة، فلا حاجة إلى الإطالة".

"قال الإمام الواحدي في "تفسيره" المسمى بـ: "الوسيط": الذكر من جملة الفرائض، وإعلان الفرائض أولى وأحب كما أجمع عليه العلماء. وقال قاضي خان - من مُرَجِّحي مذهب أبي حنيفة - وغيره: الذكر في الأسواق ومجالس الغفلة والفسق جائز بنية أنهم مشتغلون بالدنيا، وهو مشتغل بالتسبيح، وهو أفضل من التسبيح وحده في غير السوق".

[رد شبه منكري الذكر الجهري]:

"وأما ما رُوِي([37]) عن ابن مسعود أنه: رأى قوما يذكرون برفع الصوت، فقال: ما أراكم إلا مبتدعين. فلا أصل له، وذلك أنه لم يثبت عند الأئمة الحفاظ".

"بل ثبت في "صحيح"([38]) مسلم خلافه عن ابن عباس قال: رفعُ الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله e".

"وأيضا قال بعض الأئمة: مازال ابن مسعود يذكر في المجالس، فكيف ينكره([39])؟!. وعلى تسليم ثبوته؛ يكون معارضا للأحاديث الصحيحة، فلا يعتبر به أصلا".

"وأما ما ورد: إنكم لا تدعون أصم([40])؛ فهو من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لأنهم قالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟. فهو صريح في الدعاء".

"وقال بعض المحققين: إنه كان e ينتظر الوحي، وكانت أصوات الناس بالتكبير تُشغله، فأشار عليه السلام إليهم بالذكر القلبي في تلك الحالة".

"وقيل: كان النبي e يشم من بعضهم رائحة الرياء، فيمنعهم بأحسن وجه".

"وقال المحققون من المفسرين عند قوله تعالى: {اذكروا الله ذكرا كثيرا}. [الأحزاب/ 41]: أي: دوموا على ذكر الله في الأحوال كلها، قائمين وقاعدين ومضطجعين، مرضى وأصحاء، ليلا ونهارا، سرا وعلانية، حركة وسكونا، في البر والبحر، والسفر والحضر، في الحلم والغضب، في السرور والتعب، في الشوق والطرب، في الطاعة والمعصية، في الجنابة والطهارة، في الشدة والفرج، وفي كل حال إلا في حال الإنزال؛ لأن فيها يكون المرء مغلوبا على عقله، معذورا في تركه وفعله. وهذا مجموع ما في التفاسير المشهورة؛ كأبي السعود والقاضي والكازروني والرازي".اهـ.

ولما ترجم علامة اليمن ومحدثه ومفتيه: وجيه الدين عبد الرحمن [بن]([41]) سليمان الأهدل([42]) في كتابه العجيب: "النفَس اليماني، والروح الريحاني، في إجازة القضاة الثلاثة بني الشوكاني"، شيخَه العلامةَ الوليَّ الفهامة الوجيه [21] عبد الصمد بن عبد الرحمن الجاوي([43])، وأثنى عليه، قال: "أخذ المذكورُ طريقةَ الذِّكر عن شيخه الولي الكبير محمد بن عبد الكريم السمان([44]) المدني، كما أخذها عن الشيخ مصطفى البكري، فالسمان والحنفي شيخهما واحد. ومن طريقهما: الجهر بالذكر والاجتماع عليه، وغير خاف أن الجهر بالذكر ليس بحرام ولا مكروه، كما زعم زاعمون".

"وقد ألف في أدلة مشروعية الجهر غيرُ واحد من العلماء:

- منهم: الجلال السيوطي.

- والعلامة الكناني وأطال الكلام في ذلك.

- ومنهم: الشيخ ملا إبراهيم الكوراني([45])، فله في أدلة الجهر رسالة عظيمة، ومما ذَكَر فيها ما نصه:

"تبصرة: فإن قلت: قد قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}. [الأعراف/ 55]، وقد فُسِّر الاعتداءُ بالجهر بالدعاء، كما رواه ابن أبي حاتم([46]) عن زيد بن أسلم، فيكون الجهر مكروها".

"قلت: قد فُسر - أيضا - التضرع في الآية بالعلانية والخفية بالسر، كما رواه أبو الشيخ، عن قتادة. فالاعتداء في الدعاء إذا فُسِّر بالجهر يراد به رفع الصوت الزائد على قدر الحاجة، لا مطلق الجهر، جمعا بين الأدلة. وبذلك فسره الحافظ([47]) حيث قال: الاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة"...


([1] ) "صحيح مسلم" 4/2074 ح 2700.


([2] ) "سنن الترمذي" 5/195 ح 2945.


([3] ) "سنن ابن ماجه" 2/1245 ح 3791.


([4] ) ينظر "تفسير ابن جرير" 22/67.


([5] ) "المسند" 2/251، "صحيح البخاري" 6/2694 ح 6970، "صحيح مسلم" 4/2061 ح 2675، "سنن الترمذي" 5/581 ح 3603، "سنن ابن ماجه" 2/1255 ح 3822.


([6] ) المعجم الكبير" 19/47.


([7] ) كما قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" 2/252 والحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/78.


([8] ) ما بين معكوفين ساقط من النسخة المعتمدة.


([9] ) زيادة من "المعجم الكبير".


([10] ) في "المعجم الكبير": الرفيق.


([11] ) كما في " الترغيب والترهيب " 2/252 و "مجمع الزوائد" 10/78.


([12] ) "صحيح البخاري" 1/288 ح 806.


([13] ) "صحيح مسلم" 1/410 ح 583.


([14] ) "صحيح البخاري" 3/1091 ح 2830 ، و"صحيح مسلم" 4/2076 ح 2704 ، كلاهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.


([15] ) "صحيح مسلم" 1/373 ح 524، وفي رواية للبخاري 1/165 عن أنس قال: "...وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي e معهم وهو يقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة



([16] ) "صحيح مسلم" 3/1430 ح 1803 والحديث رواه البخاري في غير ما موضع من "صحيحه" بألفاظ مختلفة للأبيات الشعرية المذكورة.


([17] ) ساقطة من النسخة المعتمدة.


([18] ) في النسخة المعتمدة: لقد.


([19] ) 3/1432 ح 1805.


([20] ) مما يمكن أن يضاف إلى دلائل الذكر الجماعي والجهر به: التأمين في الصلاة، والتلبية في الحج، والتكبير في العيدين، وهو دليل واضح قام به السلف والخلف، لا خلاف في مشروعيته بل وندبه...فتأمل. مصحح.


([21] ) العالم العامل، والعلامة الفاضل، خاتمة الفقهاء الشافعية بالديار الشامية والمصرية. له مؤلفات عديدة، وتقريرات مفيدة، وكان خطيب الجامع الأزهر. وله ديوان بديع يخطب فيه من إنشائه، يعرب عن فضله ورفعة قدره بين أمثاله وقرنائه. توفي رضي الله عنه سنة ألف ومائتين وثمان وتسعين (1298 هـ) من "حلية البشر" للبيطار.


([22] ) رواه أحمد 3/68 وأبو يعلى 2/521 وابن حبان في "صحيحه" 3/99 من "الإحسان" لابن بلبان والحاكم في "المستدرك" 1/677 كلهم عن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".


([23] ) في النسخة المعتمدة "شرير".


([24] ) رواه البخاري في "صحيحه"1/3 ح 1 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.


([25] ) "الحاوي" 2/24 وما بعدها.


([26] ) بل ذكر خمسة وعشرين حديثا كما في "الحاوي" 2/28.


([27] ) رواه الشافعي في كتاب "الأم" 1/126 ورواه مسلم في "صحيحه" بلفظ مقارب 1/415 ح 594.


([28] ) لم أقف عليه بهذا اللفظ والله أعلم.


([29] ) "شعب الإيمان" للبيهقي 1/417.


([30] ) كما في "الدر المنثور" للسيوطي 4/305، وله شاهد من حديث أبي ذر في "مصنف عبد الرزاق" 3/522.


([31] ) 4/305-306.


([32] ) لم يروه في "مسنده" بل رواه ابنه عبد الله في "زوائد الزهد" ص 400.


([33] ) "زوائد الزهد" لعبد الله بن أحمد ص 400.


([34] ) 1/397.


([35] ) لم أقف عليه في "سننه".


([36] ) 12/169 وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في "المجمع" 10/76.


([37] ) قال المناوي في "فيض القدير"1/475: "وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه: رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين. وأمر بإخراجهم فغير ثابت. وبفرض ثبوته؛ يعارضه ما في كتاب "الزهد" لأحمد عن شفيق بن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر؛ ما جالسته مجلسا قط إلا ذكر الله فيه".


([38] ) هو في "صحيح" البخاري 1/288 ح 805، و"صحيح" مسلم 1/410 ح 583.


([39] ) كما سبق من نقل الإمام عن ابن مسعود من كتاب "الزهد" لابن حنبل في التعليقة السابقة.


([40] ) "صحيح" البخاري 3/1091 ح 2830 و"صحيح" مسلم 4/2076 ح 2704.


([41] ) ساقطة من النسخة المعتمدة.


([42] ) الزبيدي الحسيني العلوي؛ ولد ونشأ وتوفي في مدينة زبيد.فقيه، محدث، مؤرخ. أخذ عن أبيه، في علوم نقلية وعقلية، وله منه إجازة عامة، كما أخذ عن كثير من العلماء، ذكرهم في كتابه: "النفس اليماني".وقد برع في العلوم، منقولها ومعقولها. من مؤلفاته: "فرائد الفوائد"خ، مجلدان. "الروض الوريف في استخدام الشريف". "النفس اليماني والروح الريحاني، في إجازة القضاة الثلاثة بني الشوكاني". ينظر "الأعلام" 3/307، و"معجم المؤلفين" 2/90...


([43] ) عبد الصمد الجاوي، كان حيا 1206 هـ صوفي مشارك في أنواع من العلوم وفد إلى مدينة زبيد سنة 1206 هـ.
من آثاره: "فضائل الإحياء للغزالي".(ط) .انظر "التاج المكلل" ص 353، 354 لصديق حسن خان، و"معجم المؤلفين" 5/235.



([44] ) قال الجبرتي في "تاريخ عجائب الآثار" 1/480: "عالم المدينة ورئيسها الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان، ولد بالمدينة ونشأ في حجر والده واشتغل يسيرا بالعلم. وأرسله والده إلى مصر في سنة 1174 فتلقته تلامذة أبيه بالإكرام، وعقد حلقة الذكر بالمشهد الحسيني وأقبلت عليه الناس، ثم توجه إلى المدينة. ولما توفي والده أقيم شيخا في محله ولم يزل على طريقته حتى مات في رابع ذي الحجة من سنة تسع وثمانين ومئة وألف (1189)عن ثمانين سنة".


([45] ) قال في "تاريخ عجائب الآثار" 1/117: "شيخ الشيوخ برهان الدين إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني المدني، ولد بشهران في شوال سنة خمس وعشرين وألف (1025)، وأخذ العلم عن محمد شريف الكوراني الصديقي ثم ارتحل إلى بغداد وأقام بها مدة. ثم دخل دمشق ثم إلى مصر ثم الى الحرمين، وألقى عصا تسياره بالمدينة المنورة ولازم الصفي القشاشي، وبه تخرج. وأجازه الشهاب الخفاجي والشيخ سلطان والشمس البابلي وعبد الله بن سعيد اللاهوري وأبو الحسين علي بن مطير الحكمي، وقد أجاز لمن أدرك عصره. وتوفي يوم ثامن عشرين جمادي الأولى سنة إحدى ومائة وألف (1101)".


([46] ) "تفسير" ابن أبي حاتم 5/1500.


([47] ) "فتح الباري" 8/298.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 7:59

"إلى أن قال الشيخ إبراهيم المذكور: ويدل لذلك صريحا: حديث أبي موسى الأشعري في "الصحيحين"([1]) وغيرهما([2]) - واللفظ للبخاري في "الجهاد" - قال: كنا مع رسول الله e، فكنا إذا أشرفنا على واد هلّلنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا، [فقال]([3]) النبي e: يا أيها الناس اِربعوا على أنفسكم...الحديث".

"قال الحافظ([4]): اِربعوا" بهمزة وصل مكسورة، ثم موحدة مفتوحة، أي: ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم.اهـ".

"فإنه e وعلى آله إنما أمرهم بالرفق، وهو إنما يقتضي ترك الصياح المفرط لا ترك أصل الجهر، جمعا بين الأدلة".

"ومنه يظهر أن المراد بالجهر في قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول}. [الأعراف/ 55] أيضا، هو: الصياح البالغ، لا مطلق الجهر، جمعا بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على مشروعية الجهر بالقول في الذكر واستحبابه"...إلى آخر كلامه.اهـ.

[أول من أحدث الحادي في حلقة الذكر]:

وقال - أيضا - في ترجمة شيخه العلامة الولي الكبير علي بن عمر القناوي المصري ما ملخصه: "تكرر وفوده إلى صنعاء اليمن مرارا عديدة، عرفتُ منها وفادتين، وهو في كل وفادة يُتلقى بالإعزاز والإجلال، ويجتمع إليه كل يوم وليلة من الخاص [22] والعام ما دام مقيما عالمٌٌ كثيرٌ يُقيمون معه الذكر الجهري على طريقه، ويكفيه أخذها عن شيخ الشيوخ في إقليم مصر: عز الإسلام، ذي التآليف الواسعة محمد بن سالم الحفناوي، الآخذ بها عن الشيخ العلامة السيد ذي القدر الحفيل والمؤلفات الواسعة، سيما في علم التصوف: مصطفى البكري، الآخذ بها بسنده عن السيد الولي الكبير ذي الأحوال الخارقة، والفضائل الفائقة: على بن وفا([5])".

"وهو - كما أبان ذلك شيخُ شيوخنا الشيخ عبد الغني النابلسي في شرحه على "ديوان ابن الفارض" المسمى بـ: "بيان السر الفائض" - أولُ من أحدث الحادي في حلقة الذكر، ويُنشِد من الأشعار الرائقة المباني، الفائقة المعاني، الإلهية في الصوت الموسيقاوي، ما يُنعش القلوب، ويُهَيِّجُها إلى التوجه إلى علام الغيوب، ويؤثر فيها تأثيرا عظيما".

"ولقد اتفق أن السيد المذكور وصل في بعض وفاداته إلى زَبيد([6]) وأقام الذِّكرَ المذكور وعلى الصفة المذكورة، وحضر الخاصُّ والعام من أهل البلد، وكان من جملة الحاضرين: رجل من أكابر العلماء المشغولين بذكر الله آناء الليل والنهار، فلما حدا الحادي ولم يكن طرقَ سمعَه ذلك، فلم يزل يبكي بكاءً شديدا، وتواجد تواجدا عظيما، حتى أحدث له ذلك رعافا مسترسلا، كان من أسباب موته".

[الخطاب الشعري الرائق يؤثر في القلب ما لا تؤثره الحجج القطعية]:

"وهذا غير مستبعد؛ فقد ذكر شُراح "السُلم"([7]) المنطقي في بحث الخطابات ما حاصله: إن الخطاب الشعري إذا وقع باللفظ الرائق، والمعنى الفائق، والصوت الحسن الخارق، وصادف قلبا سليما صافيا؛ فعل في القلب من التأثيرات البالغة مالا تفعله البراهين القطعية. وتأثرُ القلب بالصوت الحسن مقتضى الفطرة الإنسانية. ومن لم يتأثر بذلك؛ فهو كما قال الإمام الشافعي: فاسد المزاج، يحتاج إلى علاج!"([8]).

"وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"([9])، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول؛ حُبِّب إلي الصوتُ الحسن، فهل في الجنة صوت حسن؟. قال رسول الله e: والذي نفسي بيده؛ إن الله يوحي إلى شجرة في الجنة أن: [أسمعي]([10]) عبادَ الله([11]) الذين اشتغلوا بعبادتهم وذكري عن [عزف]([12]) البرابط([13]) والمزامر. فترفعُ بصوت لم تسمع الخلائق بمثله من تسبيح الرب وتقديسه".

"وأخرج عبدُ بنُ حميد([14])، عن يحيى بن أبي كثير، في قوله تعالى: {في روضة يحبرون}. [الروم/ 15]، قال: قيل: يا رسول الله؛ ما الحبرة؟. قال: اللذة والسماع. وقد ساق الجلال الأسيوطي في "الدر المنثور"([15]) عدة آثار في هذا المعنى".اهـ. [23]

وفي جواب لشيخ الشيوخ، مفتي المذهبين؛ الشيخ محمد فتح الله بن عمر السمديسي المالكي الخلوتي المصري عن مسائل من شعائر الطريق، قال فيه ما نصه: "وأما الإنشاد وسماعه؛ فلا بأس به، باشتماله على حِكَمٍ ومواعظَ، كما ورد: إن من الشعر لحكمة([16]). فتتقوى([17]) به الروح وتنتعش؛ لأنه لها كالغذاء، وينهض الجسم ويهيم في الذكر. وكان عليه السلام يسمعه ويتمثل به تروُّحا([18])، ويأمر حسانا به، ويقول: اللهم أيده بروح القدس([19]). وهو جبريل. ونهى([20]) من أنكره عليه في المسجد الشريف كما وردت به الأحاديث الصحيحة".

"فهو مأمور به في الجملة، خصوصا إذا كان فيه ذكر الصالحين وسَيَرِهم، فبه تنزل الرحمات. وربما أورث السامعَ اعتبارا واهتداءً بهديهم".اهـ.




[حكم الرقص وأدلته من الكتاب والسنة]

واعلم أنه لما وقع من بعض الناس إنكار الرقص، زعما منهم أنه: لم يرد فيه عن الشارع بالإباحة نص، وجب علينا فيه الرجوع إلى استخراج أصله من كتاب الله وسنة نبينا ومولانا رسول الله، وإجماع أهل الحل والعقد من العارفين بالله، ومن عليهم المدار في الشرع والسنة، وفحول أكابر الأمة، والقياس المستجمع للشرائط، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}. [النساء/ 59].

وفي "تفسير الإمام الخازن"([21]) لدى هذه الآية الكريمة ما نصه: "قال العلماء: في الآية دليل على أن من لم يعتقد وجوب طاعة الله وطاعة رسوله ومتابعة السنة والحكم بالأحاديث؛ لا يكون مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر!". اهـ منه بلفظه.

وفي تفسير "أولي الأمر" طريقتان؛ أحدهما: الملوك، ثانيهما: أهل الولاية الكبرى.

نقل الحافظ في "الفتح"([22]) في التفسير لدى هذه الآية الشريفة ما نصه: "وعن جـابر [بن]([23]) عبد الله قال: هم أهل العلم والخير. وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء...واختار الطبري حملَها على العموم، وإن نزلت في سبب خاص".اهـ منه بلفظه.

إذا تقرر هذا؛ فنقول: قد نص كبار الأئمة وفحول الأمة، على أن مستند جواز الرقص من كتاب الله عز وجل.

[مستند الرقص من القرآن الكريم]:

ففي "جامع المعيار" في السفر الحادي عشر[24]، من جواب لشيخ الشيوخ أبي سعيد ابن لب رحمه الله تعالى ورضي عنه ما نصه: "وأما التواجد في السماع؛ فهو في الأصل آثارٌ ورِقةٌ في النفس واضطراب [24]، فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن. قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. [الأنفال/ 2]، أي: اضطربت رغَبا ورهَبا، وعن اضطراب القلب يحصل اضطراب الجسم، قال الله تعالى: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا}. [الكهف/ 18]، وقال تعالى: {ففروا إلى الله}. [الذاريات/ 50]".

"فإن التواجد رقة نفسية، أي: روحانية، وحالة قلبية، ونهضة روحانية. وهذا هو التواجد عن وجد، ولا يسمع فيه نكير من الشرع".

"ذكر السُلمي في "رقائقه" عن بعض المشايخ أنه: كان يستدل بهذه الآية في حركة الواجد في وقت السماع والوجد: {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا}. [الكهف/ 14]. وكان يقول: إن القلوب مربوطة بالملكوت، تحركها أنوار الأذكار وما يَرِدُ عليها من فنون السماع. ووراء هذا: تواجد لا عن وُجد، فهو مناط الذم؛ لمخالفة ما ظهر لما بطن، وقد يقرب فيه الأمر إلى القصد لاستنهاض العزائم وإعمالِ الحركة في يقظة القلب النائم: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا([25]). لكن شتان ما بينهما!".اهـ منه بلفظه.

أقول: وفي"الإحياء"([26]) في كتاب التواجد ما نصه: "إن من رقص وتباكى – أي: تكلف البكاء- فهو مباح إذا لم يقصد به الرياء، لأن التباكي استجلاب الحزن، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط، وكل سرور مباح يجوز تحريكه".اهـ.

ولو زاد الإمام ابنُ لب حديثا وهو: "رحم الله عبدا أظهر من نفسه القوة"([27])؛ لكان أحسن.

وقال الإمام الصوفي أبو سعيد الحسن بن علي الواعظ النيسابوري في كتابه "الحدائق لأهل الحقائق" ما نصه: "الأصل في الرقص من كتاب الله عز وجل قوله تعالى لأيوب عليه السلام: {اركض برجلك}. [ص/ 42]، فأقل ما في هذه الآية: الدلالة على الإباحة".اهـ منه بلفظه.

ونقل العارف أبو زيد الفاسي في "حواشيه" على "الجلالين" ما نصه: "وقال ابن لب: وقد اشتهر خلاف بين العلماء في القيام لذكر الله تعالى، وقد أباحه الصوفية، وعملتْ به وصاحت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله في أصحاب الكهف: {إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض}. [الكهف/ 14]، وإن كانت الآية لها محامل أخر([28])".اهـ منه بلفظه.

وسئل العالم الأفضل أبو القاسم ابن خجّو رضي الله عنه عن الرقص، فأجاب بأنه: "ورد ما يوجب [25] التسليم لمن اهتز ورقص. قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. [الأنفال/ 2]، والوجل([29]): هو الاضطراب والاهتزاز، والرقص منه. ولا حرج على المغلوب ولا على المساعد له".

وفي كتاب السماع والوجد من "الإحياء"([30])، وهو الكتاب الثامن من الجزء الرابع، ما نصه: "وما أنزلت الكتب الإلهية إلا ليطربوا بذكر الله تعالى، ويهيَّج به...رأيت مكتوبا في الإنجيل، وهي النسخة المشهورة بين أيدي الرهبان، ما نصه: غنَّيْنا لكم فلم تطرَبوا، وزمَّرنا لكم فلم ترقصوا". قال شارحه الشيخ مرتضى ما نصه([31]): "كذا في "القوت"([32]). وقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية"([33]) مسندا إلى مالك بن دينار قال: زمّرنا لكم فلم ترقصوا([34]).اهـ منه بلفظه.

وحيث كان أصله من كتاب رب البريات؛ ففِعله من أعظم أنواع الطاعات، واستعمالُه من أكبر أجناس القرُبات، والإتيان به من أجل الحسنات، ضرورةَ أن الطاعة هي: ما أمرنا به مولانا، ودلنا عليه كتاب ربنا، ومُميتنا ومُحيينا، فلا جرَم أنها من أعلى المثوبات، وتُرقي لأعلى الدرجات، فمن أتى بها؛ فلا إنكار عليه من الشرع، ولا زجر عليه ولا قمع. فلذا قال شيخ الشيوخ ابن لب: "ولا يُسمع فيه نكير من الشرع"، خصوصا إن هجم عليه الحال ولم يكن فيه اكتساب ولا استعمال.
فلا تلم السكران في حال سكره فقد رُفع التكليف في سُكرنا عنا[35]


[مستند الرقص من السنة الشريفة]:

وأما مستند الرقص من السنة؛ فقد أخرج الشيخان البخاري([36]) ومسلم([37])، والنسائي([38]) واللفظ للإمام البخاري، عن عائشة قالت: "لقد رأيتُ رسول الله e يوما على حُجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه، أنظرُ إلى لعبهم بحِرابهم".

ولفظ مسلم([39]) عن عائشة قالت: "جاء حبشٌ يَزْفِنُونَ يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي e، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم".

وأخرج([40]) أيضا عنها قالت: "فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: دونكم بني أَرْفِدَة"([41]).

وأخرج([42]) أيضا عن أبي هريرة قال: "بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله e بحرابهم، إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء يحصُبهم، فقال له رسول الله e وعلى آله: "دعهم يا عُمر!".

وأخرج الترمذي في "جامعه"([43]) في آخر الربع الرابع في مناقب سيدنا عمر بن الخطاب [26] رضي الله تعالى عنه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: "كان رسول الله e جالسا، فسمعنا لغَظًا([44]) وصوتَ صبيان، فقام رسول الله e، فإذا حبشية تزفِنُ والصبيان حولها. فقال: يا عائشة؛ تعالي فانظري. فجئت فوضعت لحيي على منكب مولانا رسول الله e، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت؟، أما شبعت؟. قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده". قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".اهـ.

قوله "يزفِنُون"، قال في "الصحاح"([45]) ما نصه: "الزفن الرقص".اهـ منه بلفظه. وفي "أساس البلاغة"[46] للزمخشري ما نصه: "يزفنون: يرقصون".اهـ منه بلفظه.

ومن استدراكات شارح "القاموس"([47]) ما نصه: "قال أبو بكر: الرقص في اللغة: الارتفاع والانخفاض. وقد أرقص القوم في سيْرهم إذا كانوا يرتفعون وينخفضون".اهـ منه بلفظه.

قال الإمام المواق في "سنن المهتدين"([48]) في الورقة الرابعة ما نصه: "وانظر - أيضا - ما هو أخص([49]) من الاستلقاء، ونص العلماء على جوازه، وذلك: كالزفن. قال عياض: الزفَن: الرقص، خاف عمر أن يكون مما لا ينبغي، فحصب الحبشة من أجله، فزجره النبي e وقال لهم: دونكم بني أرفدة. قال عياض: ففيه أقوى دليل على إباحته، إذ زاد النبي e على إقرارهم أن أغراهم.اهـ نص "الإكمال".اهـ نص المواق بلفظه.

ونقل ذلك عن القاضي عياض - أيضا - في "المعيار" في السفر الحادي عشر في الجامع، وسلمه كما سلمه المواق.

أقول: على أنه وقع تفسير الزفن بالرقص من الصحابة رضي الله عنهم، فقد قال الإمام أحمد في ترجمة([50]) سيدنا أنس رضي الله عنه من "مسنده"([51]): حدثنا عبد الصمد، قال حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: "كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله e ويرقصون، ويقولون: محمد عبد صالح، فقال رسول الله e: ما يقولون؟. قالوا: يقولون: محمد عبد صالح".اهـ.

هكذا هذا الحديث بنصه، فصرح فيه بلفظ: "يرقصون" في نسخة "المسند" طبع مصر في صحيفة 152 من الجزء الثالث.

وقد راجعت هذا الحديث في نسخة خطية عتيقة من "المسند" بخط أبي محمد عبد الله بن إدريس العراقي. فوجدت الحديث فيها كذلك طبق [27] ما في المطبعَة. والحمد لله.

وقد قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"([52]) في باب عمرة القضاء ما نصه: "وفي حديث علي عند أحمد: فقام جعفر فحجَل حول النبي e - أي: وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة - وقال النبي e: ما هذا؟. قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم".

"وفي حديث ابن عباس أن النجاشي: كان إذا أرضى رجلا من قومه؛ قام فحجل حوله. وفي حديث علي المذكور أن الثلاثة فعلوا ذلك". اهـ منه بلفظه.

ويعني بالثلاثة: سيدَنا جعفرَ، وسيدَنا عليًا وسيدَنا زيدََا، كما يأتي التصريح به قريبا.

وفي "الحاوي في الفتاوي"([53]) لإمام الأئمة الحافظ جلال الدين الأسيوطي، لما سُئل عن مسألة الرقص هذه ما نصه: "وقد ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد بن حنبل – يعني: في "مسنده"([54]): رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي النبي e لما قال: أشبهت خَلقي وخُلقي. فذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه e. فكان هذا أصلا في رقص الصوفية لما يدركونه من لذة المواجيد".

"وصح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من أكابر الأئمة؛ منهم: شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام".اهـ.

وفي "التوشيح على الصحيح"([55]) له - أيضا - رضي الله تعالى عنه في المغازي في باب عمرة القضاء ما نصه: "أخرج ابن سعد من مُرسل([56]) الباقر: فقام جعفر فحجل حول النبي e، فقال النبي e: ما هذا؟. قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم. وفي حديث: إن الثلاثة – أعني: جعفرا وعليا وزيدا - فعلوا ذلك. والحَجَلُ بحاء فجيم فلام، كسَبَب: رقص بهيئة مخصوصة".اهـ منه بلفظه.

وفي "الفتاوي الحديثية" للحافظ الثاني([57])، والعلامة شهاب الدين ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى ورضي عنه، ما نصه: "وسُئل رضي الله عنه عن رقص الصوفية عند تواجدهم، هل له أصل؟. فأجاب بقوله: نعم؛ له أصل. وقد رُوي في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه رقص بين يدي النبي e لما قال له: أشبهت خَلقي وخُلقي، وذلك من لذة هذا الخطاب، ولم يُنكر عليه e".

"وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من أكابر الأئمة؛ منهم: شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام".اهـ منه بلفظه.وقال العلامة [28] الزرقاني على "المواهب"([58]) في السِّفر الثاني في باب عمرة القضاء ما نصه: "وفي حديث علي عند الإمام أحمد([59])، وكذا في مرسل الباقر: فقام جعفر فحجل حول النبي e – أي: دار عليه - فقال e: ما هذا؟. قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم".


([1] ) "صحيح البخاري" 3/1091 ح 2830، و"صحيح" مسلم 4/2076 ح 2704.


([2] ) رواه أيضا أبو داود في "سننه" 2/87 ح 1528 والنسائي في "السنن الكبرى" 4/398 ح 7679.


([3] ) في النسخة المعتمدة: قال.


([4] ) "فتح الباري" 11/188.


([5] ) قال عماد الدين في "شذرات الذهب" 4/70 في تراجم من مات سنة سبع وثمانمئة (807): "وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن وفا. قال في "المنهال الصافي": الشيخ الواعظ المعتقد الصالح الأديب الأستاذ المعروف بسيدي علي بن وفا الأسكندري الأصل المالكي الشاذلي، صاحب النظم الفائق والألحان المحزنة الحسنة، والحزب المعروف عند بني وفا. ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، ومات أبوه وتركه صغيرا. ونشأ هو وأخوه أحمد تحت كنف وصيهما العبد الصالح شمس الدين محمد الزيلعي، فأدبهما وفقههما. فنشآ على أحسن حال وأجمل طريقة. ولما صار عمر سيدي علي هذا سبع عشرة سنة جلس موضع أبيه وعمل الميعاد، وأجاد وأفاد، وشاع ذكره وبعُد صيته، واشتهر أعظم من شهرة أبيه. قال المقريزي: وتعددت أتباعه وأصحابه، ودانوا بحبه، واعتقدوا رؤيته عبادة، وتبعوه في أقواله وأفعاله، وبالغوا في ذلك مبالغة زائدة، وسمعوا ميعاده المشهد وبذلوا رغائب أموالهم هذا مع تحجبه وتحجب أخيه والتحجب الكثير إلا عند عمل الميعاد والبروز لقبر أبيهما أو تنقلهما في الأماكن. فنالا من الحظ ما لا يناله من هو في طريقتهما. وكان – أي: صاحب الترجمة - جميل الطريقة مهابا معظما صاحب كلام بديع ونظم جيد. انتهى. ثم قال في "المنهل": وكان فقيها عارفا بفنون من العلوم، بارعا في التصوف، مستحضرا لتفسير القرآن الكريم. وله تآليف؛ منها: كتاب "الباحث على الخلاص في أحوال الخواص" و"تفسير القرآن العزيز" وكتاب "الكوثر المترع في الأبحر الأربع" في الفقه و"ديوان شعر" معروف"...


([6] ) زَبيد بفتح أوله وكسر ثانيه ثم ياء مثناة من تحت: اسم واد به مدينة يقال لها: الحصيب. ثم غلب عليها اسم الوادي فلا تعرف إلا به. وهي مدينة مشهورة باليمن أحدثت في أيام المأمون وبإزائها ساحل غلافقة وساحل المندب، وهو علم مرتجل لهذا الموضع ينسب إليها جمع كثير من العلماء... ينظر "معجم البلدان" 3/131.


([7] ) لسيدي عبد الرحمن الأخضري.


([8] ) قال الإمام ابن قيم الجوزية في " الجواب الكافي" ص157: "وقال الآخر: من لم تبتهج نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي؛ فهو فاسد المزاج يحتاج إلى علاج". وقال في "الإحياء" 2/275: "...حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره؛ فهو فاسد المزاج، ليس له علاج".


([9] ) كما في "الدر المنثور" 6/487، وله شاهد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، رواه بحشل في "تاريخ واسط" ص 211.


([10] ) في النسخة المعتمدة: أسمع.


([11] ) في "الدر المنثور" 6/487: عبادي.


([12] ) في النسخة المعتمدة: عريف !!!.


([13] ) البرابط جمع بَرْبَط، قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الأثر"1/112: "البَرْبَط: مَلْهاة تُشْبه العُود، وهو فارسي معرّب. وأصله: بَرْبَت، لأن الضارب به يضَعُه على صدره، واسم الصَّدر: بَر برث".


([14] ) هكذا في "الدر المنثور" 6/486 عن يحيى بن أبي كثير مرسلا، وكذلك في "تفسير عبد الرزاق الصنعاني"3201، والصحيح أنه من كلامه كما أسنده إليه الترمذي في "السنن" 4/696: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا روح بن عبادة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله عز وجل: {فهم في روضة يحبرون}، قال: السماع. ومعنى السماع مثل ما ورد في الحديث: أن الحور العين يرفعن بأصواتهن. وكذا أسنده إليه الطبري في "التفسير" 21/28.


([15] ) 6/478-479.


([16] ) رواه البخاري في "صحيحه" 5/2276 ح 5793 عن أبي بن كعب.


([17] ) في النسخة المعتمدة: فيتقوى.


([18] ) كما مر ذكر أحاديث ذلك سابقا.


([19] ) "صحيح البخاري" 1/173 ح 442 عن أبي هريرة رضي الله عنه.


([20] ) روى البخاري في "صحيحه" 3/1176 ح3040 عن سعيد بن المسيب قال: "مرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد، فلحظ إليه فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أجب عني؛ اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم". وكذا رواه مسلم في "صحيحه" 4/1932 ح 2485.


([21] ) 2/120.


([22] ) 8/254.


([23] ) في النسخة المعتمدة: عن.


([24] ) 11/37.


([25] ) قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/391: "عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون من النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فيسيل - يعني الدم - فتقرح العيون". قلت: روى ابن ماجه بعضه. ورواه أبو يعلى 7/161، وأضعف من فيه يزيد الرقاشي وقد وُثِّقَ على ضعفه".اهـ قال العبد الفقير: رواه ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص في "سننه" 2/1403 ح 4196.


([26] ) 2/304.


([27] ) لم أقف عليه.


([28] ) قال الشوكاني في "فتح القدير" 3/273: "واختلف أهل التفسير فى هذا القيام على أقوال؛ فقيل: إنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد فى نفسي شيئا إن ربي رب السماوات والأرض، فقالوا: ونحن أيضا كذلك نجد فى أنفسنا، فقاموا جميعا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض. قاله مجاهد. وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار يقال له: دقيانوس، وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبّت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه فقالوا: ربنا رب السموات والأرض. وقال عطاء ومقاتل: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم".اهـ.


([29] ) في "لسان العرب" 11/722: "الوجل: الفزع والخوف".


([30] ) 2/281.


([31] ) 6/466.


([32] ) 1/32.


([33] ) 2/358.


([34] ) زاد في "الحلية" عند ذكر كلام مالك بن دينار: "أي: وعظناكم فلم تتعظوا".


([35] ) من قصيدة القطب الجامع أبي مدين رضي الله عنه ومطلعها:
فقل للذي ينهى عن الوجد أهله إذا لم تذق معنا شراب الهوى دعنا.


قلت: وديوانه في طور المراجعة للنشر باعتناء عبد القادر سعود


([36] ) 1/173 ح 443.


([37] ) 2/609 ح 892.


([38] ) في "السنن الصغرى" 3 /195 ح 1594.


([39] ) 2/609 ح 892.


([40] ) "صحيح مسلم" 2/609 ح 892.


([41] ) قال النووي في "شرح مسلم" 6/185: "قوله صلى الله عليه وآله وسلم: دونكم يا بني أرفدة. هو بفتح الهمزة وإسكان الراء. ويقال: بفتح الفاء وكسرها، وجهان حكاهما القاضي عياض وغيره، والكسر أشهر. وهو لقب للحبشة. ولفظة: "دونكم" من ألفاظ الإغراء، وحذف المغري به تقديره: عليكم بهذا اللعب الذي أنتم فيه. قال الخطابي وغيره: وشأنها أن يتقدم الاسم كما في هذا الحديث، وقد جاء تأخيرها شاذا".


([42] ) 2/610 ح 893.


([43] ) 5/621 ح 3691 وتتمة الحديث عند الترمذي: "إذ طلع عمر قال: فَارْفَضَّ الناسُ عنها، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر، قالت: فرجعت".


([44] ) في "القاموس المحيط" ص885: "اللغط ويحرّك: الصوت والجلبة، أو أصوات مبهمة لا تفهم، ج ألغاط".


([45] ) 1/662.


([46] ) 1/199.


([47] ) "تاج العروس" للمرتضى الزبيدي 15/4458.


([48] ) ص 54.


([49] ) في "سنن المهتدين": أخس بالسين، ولعله أقرب إلى سياق المواق، والله أعلم.


([50] ) هكذا في النسخة المعتمدة.


([51] ) 3/152.


([52] ) 7/507 بتصرف من المؤلف رضي الله عنه.


([53] ) 2/406.


([54] ) 1/108.


([55] ) سبق توثيقه.


([56] ) في النسخة المعتمدة "مراسل".


([57] ) هكذا.


([58] ) 2/211.


([59] ) سبق توثيقه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:01

وقال العلامة [28] الزرقاني على "المواهب"([1]) في السِّفر الثاني في باب عمرة القضاء ما نصه: "وفي حديث علي عند الإمام أحمد([2])، وكذا في مرسل الباقر: فقام جعفر فحجل حول النبي e – أي: دار عليه - فقال e: ما هذا؟. قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم".

"وفي حديث ابن عباس: فقال: إن النجاشي كان إذا أرضى أحدا قام فحجِل حوله. وهو بفتح المهملة وكسر الجيم، أي: وقف على رجل واحدة، وهو: الرقص بهيئة مخصوصة. وفي حديث علي المذكور أن الثلاثة فعلوا ذلك".اهـ منه بلفظه.

وأخرج البيهقي([3]) عن سيدنا جابر رضي الله عنه قال: "لما قدم جعفر تلقاه e، فلما نظر جعفر إليه؛ حجَل - قال أحد رواته: يعني: مشى على رجل واحدة إعظاما منه له - فقبّله e بين عينيه".

وفي "السيرة الحلبية"([4]) ما نصه في السفر الثالث منه في عمرة القضاء: "وإنه لما قضى بها لجعفر رضي الله عنه حجل جعفر حول النبي e، فقال: ما هذا يا جعفر؟. فقال: يا رسول الله؛ كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله. وفيه أنه: فعل مثل ذلك بخيبر". اهـ منه بلفظه.

وفي الجزء الثاني من "تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس": "وعن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله e، فلما نظر جعفرُ إلى رسول الله e حجل. وقال سفيان: أي مشى على رجلِِ واحدة إعظاما منه لرسول الله e، فقبَّله النبيُّ e بين عينيه وأعطاه وامرأتَه أسماء بنت عميس من غنائم خيبر، وقال له: أشبهت خلقي وخلقي".اهـ منه بلفظه.

وقال الإمام أبو سعد الحسن بن علي الواعظ النيسابوري في كتابه "الحدائق" ما نصه: "واختلفوا في معنى الحجل: فرُويَ عن سفيان بن عيينة([5]): حجل: أي مشى على نعل واحدة، وذلك لا يتأتى إلا بالرقص، وقال أهل اللغة: إن الحجل مشية المقيَّد، وهو يكون على هيئة الرقص".

"وحُق لمن كانت الدنيا سجنه أن يمشي مشية المقيَّدين، وهو رقص الافتقار والكرب، وأيضا أن التبختر في المشي مكروه، ثم هو في الجهاد مطلوب، لحديث: إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع"([6]).اهـ.

قلت: وسبب حجله وحجل من معه: ما في البخاري([7]) من حديث سيدنا البراء رضي الله [29] عنه تعالى عنه: "فلما دخلها – يعني: مكة - ومضى الأجل، وخرج النبي e؛ تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمُّ يا عمُّ، فتناولها عليُُّ، فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنةَ عمك. فحملَتها".

"فاختصم فيها علي وزيد وجعفر في أيهم تكون عنده. قال عليٌّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال: زيد ابنة أخي. فقضى بها النبي e لخالتها". وفي حديث ابن عباس([8]): "فقال جعفر: أنا أولى بها". ولأبي داود([9]) وأحمد([10]): "أما الجارية فأقضى بها لجعفر". ولأبي سعيد: "ادفعاها إلى جعفر فإنه أوسعكم". وقال: "الخالة بمنزلة الأم". وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك"، وقال لجعفر: "أشبهتَ خَلقي وخُلقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا"([11]).

قال الحافظ: "فطيّب e خواطر الجميع، وإن كان قد قضى بها لجعفر. وحاصله: أن المقضي له في الحقيقة: الخالة، وجعفر تبع لها؛ لأنه كان القائم في الطلب".اهـ نقله العلامة الزرقاني على "المواهب"([12]).

وفي "تحفة الأكابر في مناقب الشيخ عبد القادر" – يعني: الفاسي- رضي الله عنهم في الباب الثاني عشر منه ما نصه: "وكان شيخنا رضي الله تعالى عنه يحب كلام الششتري([13]) باللحون وكلام سيدي عبد الرحمن المجذوب وغيرٍه، ولا ينكر شيئا من ذاك. وكان يُرَخِّص في الرقص، ولكن لذي حال غالب. ولا يمنع الرقص والشطح في المولد النبوي فرحا بالنبي e".

"ويَذكر عن القطب سيدي عبد الله الغزواني رضي الله عنه أنه: كان يزغرد([14]) إذا دخل هلال ربيع الأول. ويَذكر عن جده القطب أبي المحاسن رضي الله عنه أنه قال ليلةَ المولد لأصحابه: كيف قال صاحب المولدية – يعني: الإمام الفشتالي:
واجبٌ علينا فيه أن نفرحا ونرقص فيه وأن نشطحَ


فهام أصحابه وقاموا يشطحون. أما الصياح والزعق؛([15]) فكان يسكت عنه لمن يتوهم منه الغلبة".

"وقد ذكر الأُبِّي([16]) على حديث: ولهم – يعني: الصحابة - حنين: احتج به من أنكر على الصوفية وأصحاب الرِّقة ما يحصل منهم عند السماع، لأن الصحابة أرق قلوبا، ولم يحصل لهم زعق. ثم نقل كلامَ الغزالي أن حال الصحابة حالُ قوة، فلا يُقاس بهم الضعفاء حتى يكون الزعق والصياح بدعة من حيث إن الصحابة لم يفعلوا، فليسَ [28]([17]) كلُّ ما يُحكم بإباحته منقولا عن الصحابة، وإنما المذموم: بدعةٌ جاء الشرع بالنهي عنها، ولم يرِد في هذا نهي".اهـ منه باللفظ.

قلت: والحديث في "الصحيح"([18]) في التفسير عن أنس: "خطب e خطبة ما سمعتُ مثلها، قال: لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قال: فغطى أصحاب رسول الله e وجوهَهم وبهم حنين([19])"...الخ الحديث.

وقد اجتمع عند الإمام تقي الدين السبكي – والد تاج الدين صاحب "جمع الجوامع" - رحمهما الله تعالى جمعٌ كثير من علماء عصره، فأنشد منشدٌ قول الصَرْصَري رحمه الله في مدحه عليه الصلاة والسلام:


قليلٌ لمدحِ المصطفى الخطُّ بالذهبْ
وأن تنهضَ الأشرافُ عند سماعِها



على ورقٍ من خطِّ أحسن من كتبْ
قيامًا صفوفا أو جُثيا على الركبْ



فعند ذلك قام الإمام السبكي وجميعُ من بالمجلس، فحصل أُنْسٌ عظيم بذلك المجلس. ويكفي ذلك في الاقتداء. قاله في "روح البيان"([20]).

أقول: ومما يُستأنس به - أيضا - في جواز: مشروعية الرقص الرَّمَل([21]) في الطواف، فإنه من مناسك الحج، ترجم له في "الصحيح" بقوله([22]): "باب كيف كان بدءُ الرمل".

قال الحافظ في "الفتح"([23]): "أي: ابتداء مشروعيته، وهو: بفتح الراء والميم هو الإسراع. وقال ابن دُريد: هو شبيه بالهرولة. وأصله: أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه".

ثم أسند([24]) إلى ابن عباس قال: "قدم رسول الله e وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد أوهنتهم حُمَّى يثرب، فأمرهم النبي e أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم".اهـ.

ونقل المناوي على "الشمائل" في باب: ما جاء في بكاء رسول الله e، لدى حديث أنينه e وهو يصلي ولصدره أزيزٌ([25]) كأزيز المِرجَل من البكاء، ما نصه: "وذلك ناشئ عن عظيم الإجلال لله عز وجل. قال الإمام الحرالّي[26] رحمه الله ورضي عنه: ومن هذا الحديث ونحوه استن أهلُ الطريق الوجد والتواجد في أحوالهم وعرفوا به في أوقاتهم. وهذا الحال إنما كان يعرض للمصطفى e عند تجلي الصفات الجلالية والجمالية معا، يعني: الجلال الممزوج بالجمال. وأما الغير الممزوج؛ لا يطيقه أحد من البشر ولا من الخلائق، وكان إذا تجلى بغلبة الجمال المحض؛ يمتليء سرورا وملاطفة، وإيناسا وبسطا. وكل وارث من أمته له نصيب من هذين التجليين؛ فَتَجَلِّي الجلال: يورث الخوف والقلق والوجل المزعج. وتجلي الجمال: يورث الأنس والسرور".

"وورد([27]) أن سيدنا إبراهيم الخليل كان يُسمع لصدره صوت كغليان القدر من مسيرة ميل. وكان سيدنا عيسى عليه السلام إذا ذكر الساعة؛ يخور كما تخور البقرة. فكان أثر السماع يظهر في كثير من الأنبياء والأولياء!".اهـ منه بلفظه.

[مستند جواز الرقص من الإجماع]:

وأما الإجماع؛ فقد ذكر الإمام الشعراني رضي الله عنه في [29] كتابه: "مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين" ما نصه: "وأجمعوا على أنه: يجب على الفقير أن يذكر الله تعالى بقوة تامة، بحيث لا يبقى فيه متسع، بأن يهتز من فوق رأسه إلى أصابع قدميه، وهي حالة يُستدل بها على قرب الفتح. وأجمعوا - أيضا - على أن ذكر السر والهوينا([28]) لا يفيد – أي: في قرب الفتح".اهـ منه بلفظه.

وكذا حكى هذا الإجماع([29]) صاحبُ كتاب: "الإرشاد إلى تصفية النفس وتطهير الفؤاد"، ونصه: "وأجمعوا على أنه ينبغي للمريد أن يذكر الله بفكرة تامة، بحيث لا يبقى له شغل بغير الذكر، ويهتز من فوق رأسه إلى أصابع قدميه. وهي حالة يُستدلُّ بها على أنه صاحب همة، فيُرجى له الفتح عن قريب".اهـ بلفظه.

وقال بعد ذلك - أيضا - ما نصه: "وقد أجمع القومُ على أنه: يجب على المريد أن يجتهد في الذكر بقوة تامة، وأن ذكر السر والهوينا لا يُفيد". اهـ بلفظه.

وفي "المِنح السنية على الوصية المتبولية" للعارف الشعراني أيضا ما نصه: "وقد أجمعوا على أنه: يجب على المريد الجهرُ بالذكر، وأن ذكر السر والهوينا لا يفيد رُقِيًّا". اهـ بلفظه.

وقد قالوا: "إذا ذكر المريدُ ربَّه بشدة وعزم؛ طُويت له مقامات الطريق بسرعة من غير بُطء، فربما قطع في ساعة ما لا يقطعه غيرُه في شهر أو أكثر".

وقالوا: "يجب على المريد أن يذكر بقوة تامة، بحيث لا يبقي فيه متسَع، ويهتز من فوق رأسه إلى أصابع قدميه".

والدليل على ذلك: قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}. [البقرة/ 74]، فكما أن الحجر لا ينكسر إلا بقوة تامة؛ كذلك الذكر لا يؤثر في جمع شتاتِ قلبِ صاحبِه إلا بقوة.

[كلام نفيس للإمام أبي الفيض محمد الكتاني الشهيد في خواص حلقة الذكر]:

وللعارف الأكبر ولدِنا أبي الفيض([30]) رضي الله تعالى عنه وعن ذريته آمين، رسالةٌ في الحض على حلقة الذكر، وذكر خواصها، ونصُّ المقصود منها:

"وإياك وعدم المبادرة لحلقة الذكر؛ فإنها مَصقلَة للقلب، شاغلة عن المحسوسات، دالة للإقبال على الله، راغمة للشيطان، قاطعة وساويس النفس الأمارة، وبقايا اللوامة، مغناطيسُها جاذب لأوج عالم القدس، وأُنسها مبعد عن المعاصي، ولذتُها تُنسي لذة عالم الجسمانية، وأمرُها يزيح ظلمة الإشكالات الوهمية، وحالُها يُذهب الكثافات الغيرية، وسرُّها يطفئ الأُنس بالخلق من حيثُ هُم، وفعلها وسيلةٌٌ لعدم الخشية من الخلق. وهو من مهمات الديانات، وبسببه كثرت [30] القواطع عن الله، {والله أحق أن يخشاه}. [الأحزاب/ 37]، وقد ذَمَّ القرآن أقواما يخشون الناس: {كخشية الله أو شد خشية}. [النساء/ 77]".

"وهيئتها: وسيلة محبة الله، {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}. [الصف/ 4]، وجهادُ النفس هو الجهاد الأكبر كما في الحديث([31]). وصفتٌُها من صفة مجالس أهل الجنة: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما}. [الواقعة/ 26]، ونغماتها تُذكر عالم الذَرِّ يوم سَمِعت الأرواحُ: {ألست بربكم}. [الأعراف/ 172]، فهاجت بلابلُها للارتياح على صوت الأزل، واهتزت أشواقها للطيران في فضاء ميدان عالم القدس، وهو من وصف الرجال: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. [الأحزاب/ 23]".

"فهذه خمس عشرة خصلة في العمارة، لو كانت منها واحدة فيها؛ لانبغى أن يُطار إليها بأجنحة الشوق والاشتياق. فكيف وفي الحديث القدسي([32]): أنا جليس من ذكرني؟. وجاهِدوا أنفسكم أن لا يخطر على قلوبكم غيرُ الحق جل مجده في جميع الأحوال، سيما في حالة مجالسة الحق، فإنه لا يجالَس إلا بالأدب، ومجالستُه تعالى للذاكرين على حسب الذكر والذاكر: فمن يذكره بكلِّيته؛ فإن الله يجالسه في جميع عوالمه الظاهرة والباطنة. ومن يذكره بلسانه؛ فإنما يجالس لسانَه".

"واعلموا إخواني؛ أن الذكر هو: جلاء القلب، فلا تزال الحجب ترتفع حتى يصل لمقام المشاهدة؛ وهي: المغناطيس الجذاب للتحليات والتجليات، وأهله هم الملحوظون بعيون العناية في العالم، وهم محل نظره تعالى من خلقه، وهم أمان لنا في الأرض، وبهم يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، وإذا نظر إليهم سكن غضبه. وفي الحديث([33]): إني لأهُم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عُمَّار بيوتي وإلى المستغفرين بالأسحار وإلى المتحابين لجلالي؛ صرفتُ عذابي عنهم".اهـ.

وقال في رسالة أخرى بعد كلام ما نصه: "ولا يتخلفْ أحد عن القيام لحلقة الذكر؛ فإن حلقةَ الذكر مَصَبُّ الإمداد والتجليات، ومَسقط الرحمات، ومحل نزول البركات، ومنزل مطالعة الغيوب، ومفاتحة طوالع أهلة الجيوب، وفتح أقفال القلوب، وجلاء الصدى عن مرآة الروح، ومورد تواتر الفتوح".

"وقد جَرَّبتُ الحلقة من صغري؛ فوجدُتها إنما تورث جمعيةَ القلب على الله تعالى، لا تُنال تلك الجمعية بغيرها، خصوصا مع اتحاد القلوب وارتباط الأرواح، وعدم وجدان الأجانب فيها ظاهرًا [31] وباطنا".

"وجربتها كذلك؛ فوجدتها تورث ذُُبولا في النفس، فلا تتحرك لطلب المعصية أصلا. ثم بتواتر الحضرات الذكرية تتمكن قوة النور من القلب فيصير: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}. [الأنفال/ 2]، {أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}. [الأنفال آية 4]".اهـ.

[معنى الإجماع على جواز الرقص الذي حكاه العارف الشعراني]:

وأقول: إن ماحكاه العارف الشعراني من الإجماع يحتمل أن يكون مراده به: أئمة المذاهب، وهذا قد يتنازع فيه([34]).

ويحتمل أن يكون: أراد إجماع مشايخ الطريق، وهذا قد يعكِّر عليه عدم وجود الرقص في طرق بعض الأكابر([35]). ولكن عدم الوُجدان لا يدل على عدم الجواز عندهم.

فعلى هذا؛ المتعينُ في الإجماع الذي حكاه الشعراني، حيث إنه من أكابر الثقات وعدول الأئمة الصادقين المحتج بنقلهم وعلمهم: أن يكون الذكر مع الاهتزاز مجمَعا عليه بين مشايخ الطريق كلهم، وإنما الخلاف في رفع الأرجل من الأرض.

أو أن الإجماع عنده على حقيقته، بما يشمل رفع الأرجل من الأرض، ولكن من وجدت عنده كراهيته من الفقهاء أو غيرهم أراد الرقص بحضرة النساء أو من يُفتتن به، أو القاصد به الرياء والسمعة لا التعبد والذكر الحقيقي.ولاشك أن الرقص مع من ذُكر على الحالة المذكورة، لا يقول أحد بجوازه، كما أن السلامة مما ذكر لا ينبغي أن يختلف في القول بجوازه، وأعرض عن الاكتراث بمن أنكره لعدم اعتداده به:


وليس كل خلاف جاء معتبرا



إلا خلاف له حظ من النظر



على أن هذا المُنكِرَ لا يخلو إما أن ينكر الذكر من قيام؛ وهو جحد للضروريات، لأن الله تبارك وتعالى وصف أهل الألباب النورانية وذوي العقول المصفَّّات من الظلمانية بذلك، حيث قال: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما}. [آل عمران/ 191]، فلا أقلَّ أن يؤخذ من الآية: إباحةُ ذكر الله من قيام. وما أباحه الحق تعالى لا يقدر أحد أن ينهى عنه، سيما وقد جاء([36]) عنه e أنه: كان يذكر الله على كل أحيانه.وإما أن يُنكِرَ الاهتزازَ والتمايلَ، وقد سبق ويأتي من دلائله ما فيه أعظم حجة وبرهان.

ويشهد له - أيضا - ما أخرجه أحمد([37]) وابن عَدِي([38]) والبيهقي([39]) [عن]([40]) أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال [32] مولانا رسول الله e:

"أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون([41]): مجنون".

قال العزيزي: "أي: حتى يقولوا: المكثر للذكر مجنون، فلا تلتفوا لقولهم الناشئ عن مرض قلوبهم. قال المناوي([42]): وصححه الحاكم، واقتصر ابن حجر على حسنه".اهـ.

ولا شك أن من وُفِّقَ وذكر الله قائما أو جلس وذكر الله جالسا؛ لا ينسب إلى الجنون. نعم من رفع رجليه من الأرض يسمى حينئذ مجنونا؛ ففيه الحث على ذلك!.

وفي "مفتاح الجنة المتوقف على الكتاب والسنة" للإمام الشُطَيبي ما نصه: "وأجيزَ الذكر والرقص واستجلاب الأحوال والموارد في المساجد والزوايا؛ لأن رسول الله e رأى الحبشة في المسجد في يوم عيد يزفنون، فما أنكر عليهم. وقد غيا([43]) رسول الله e في الاستيصاء على استجلاب الوارد بقوله: اذكروا الله حتى يقول المنافقون مجنون. وفي حديث آخر: حتى تسمى مجنونا([44]). فأشار ب"حتى" للوصف المشبه بالمجنون، كالتخبط أو الصياح، أو تبديل الأوصاف المعتادة عند واردات الذكر، فكأنه مدح مَن صدر منه ذلك، وأمره به أو تشبه به، والمتشبه ذاكر".اهـ والله اعلم.


([1] ) 2/211.


([2] ) سبق توثيقه.


([3] ) لم أقف عليه في "سنن البيهقي الكبرى" بهذا اللفظ ولا في "شعب الإيمان"له، لكن وجدته في "المعجم الأوسط" للطبراني 6/334، و"معجم الشيوخ" ص171 لابن جميع، وهو من أفراد مكي بن عبد الله الرعيني، قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" 2/586: "هذا حديث لا يصح ولا يعرف إلا بمكي".


([4] ) 2/779.


([5] ) في النسخة المعتمدة: "عينية".


([6] ) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 7/104 عن خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك بن خرشة، عن أبيه عن جده، أن أبا دجانة يوم أحُد أعلم بعصابة حمراء فنظر اليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يختال في مشيته بين الصفين فقال: "إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع!".


([7] ) "صحيح البخاري" 2/960 ح 2552.


([8] ) عند أبي يعلى في "مسنده" 4/344 أن جعفر قال: "أنا أولى بها؛ خالتها عندي: أسماء بنت عميس الخثعمية".


([9] ) "سنن أبي داود" 2/284 عن سيدنا علي عليه السلام.


([10] ) لم أجد في المسند "فأقضى بها لجعفر".


([11] ) "صحيح البخاري" 2/960 ح 2552.


([12] ) 1/298.


([13] ) أبو الحسن علي الششتري؛ وهو: علي بن عبد الله النميري عروس الفقهاء، وإمام المتجردين، وبركة لابسي الخرقة، وهو من قرية ششتر من عمل وادي آش نواحي قرطبة. وزقاق الششتري معلوم بها. وكان مجودا للقرآن قائما عليه عارفا بمعانيه من أهل العلم والعمل. جال في الآفاق ولقي المشايخ وحج حجات وآثر التجرد والعبادات. وذكره القاضي أبو العباس الغبريني في "عنوان الدراية" فقال: "الفقيه الصوفي، من الطلبة المحصلين، والفقراء المنقطعين، له علم بالحكمة ومعرفة بطريق الصوفية، وتقدم في النظم والنثر على طريقة التحقيق، وأشعاره وموشحاته وأزجاله الغاية في الانطباع. وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة 668 هـ فدفن بدمياط رحمه الله تعالى ورضي عنه". من "نفح الطيب" للمقري 2/256 وما بعدها.


([14] ) قال في "تاج العروس" 1/2008: "الزَّغْرَدةُ أَهمله الجوهريُّ وقال ابن دُرَيْد : هَدِيرٌ للإِبِل يُرَدِّدُه الفَحْلُ في جَوْفِهِ وفي اللسان: في حَلْقِه. قلت: ومنه زَغْرَدَةُ النِّساء عند الأَفراحِ وقد استَخْرَج لها بعضُ العلماءِ أَصلاً مِنَ السُّنَّة".اهـ. قال الفقير: وفي النسخة المعتمدة "يزغرث".


([15] ) في "لسان العرب" 10/142: "الزعق: الصياح".


([16] ) "إكمال الإكمال" 6/149.


([17] ) كذا ترقيم هذه الصفحة والتي بعدها مكرران في الأصل.


([18] ) "صحيح البخاري" 4/1689 ح 4345 و"صحيح مسلم" 4/1832 ح 2349 عن أنس بن مالك، لكن فيهما "الخنين" بالمعجمة كما سيأتي بيانه.


([19] ) قال النووي في "شرح مسلم" 15/112: (غطوا رؤوسهم ولهم خنين) هو بالخاء المعجمة، هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة. ولبعضهم بالحاء المهملة، وممن ذكر الوجهين: القاضي وصاحب "التحرير" وآخرون، قالوا: ومعناه بالمعجمة صوت البكاء، وهو نوع من البكاء دون الانتحاب. قالوا: وأصل الخنين خروج الصوت من الأنف كالحنين بالمهملة من الفم. وقال الخليل: هو صوت فيه غنة. وقال الأصمعي: إذا تردد بكاؤه فصار في كونه غنة فهو خنين. وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين وهو شديد البكاء".اهـ.


([20] ) 14/123 في سورة الفتح عند قوله تعالى: {محمد رسول الله}. الآية 29.


([21] ) قال في "التعريفات" ص 150: "الرَّمل هو: أن يمشي في الطواف سريعا ويهز في مشيته الكتفين كالمبارز بين الصفين".


([22] ) "صحيح البخاري" 2/581.


([23] ) 3/470.


([24] ) أي: البخاري في "صحيحه" 2/581 ح 1525.


([25] ) قال ابن الأثير في "النهاية" 1/45: "وفيه أنه: كان يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، أي: خنين من الخوف بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء. وقيل: هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء".


([26] ) علي بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم الحرالي التجيبي أبو الحسن الأندلسي المالكي نزيل الشام المتوفى سنة 637 تسع وثلاثين وستمائة. من تصانيفه "إصلاح العمل لانتظار الأجل". "الالماع بطرف من الانتفاع" في علم الحروف. "الأيمان التام بالنبي عليه الصلاة والسلام". "السر المكتوم في مخاطبة النجوم". "شرح أسماء الله الحسنى". "شرح الشفا في الحديث". وغيرها، يقول المناوي في الكواكب الدرية 2/465 في ترجمته :وصنف تفسيراً ملأه بحقائقه ، ودقائق فكره ، ونتائج قريحته ، وأبدى فيه من مناسبات الآيات والسور ما يبهر العقول ، وتحار فيه الفحول ، وهو رأس مال البقاعي ، ولولاه ما راح ولا جاء، ولكنه لم يتم ، ومن حيث وقف وقف حال البقاعي في مناسباته.انظر ترجمته ايضا في "سير أعلام النبلاء" 23/24 وغيره.


([27] ) نقله في "الإحياء" 4/181 عن سيدنا أبي الدرداء.


([28] ) قال في "لسان العرب" 13/440: "الهوينا: التؤدة والرفق والسكينة والوقار".


([29] ) الظاهر أن هذا الإجماع هو إجماع الصوفية الأخيار، وليس الإجماع المعروف عند الأصوليين أهل الظاهر، لثبوت من أنكر المجمع عليه في أزمنة مختلفة، كما سبق أن ذكره الإمام المؤلف رحمه الله.


([30] ) هو: الختم الأكبر العارف الصمداني الإمام أبو الفيض الشهيد سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني رضي الله عنه، ترجمته مستوفاة في كتاب "ترجمة الشهيد" لنجله العلامة المتقن أبي الهدى سيدي محمد الباقر الكتاني رحمه الله. طبع بدار ابن حزم ببيروت بتحقيق الدكتورة نور الهدى الكتاني.


([31] ) قال العجلوني في "كشف الخفا" 1/511: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟. قال: جهاد القلب. قال الحافظ ابن حجر في "تسديد القوس": هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن علية".انتهى. وأقول: الحديث في "الإحياء" قال العراقي: "رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر. ورواه الخطيب في"تاريخه" 13/523 عن جابر بلفظ: قدم النبي e من غزاة فقال عليه الصلاة والسلام: قدمتم من خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟. قال: مجاهدة العبد هواه. انتهى. والمشهور على الألسنة: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الأكبر. دون باقيه ففيه اقتصار". انتهى.


([32] ) قال في "كشف الخفاء" 1/232: "أنا جليس من ذكرني. رواه الديلمي بلا سند عن عائشة مرفوعا. وعند البيهقي في "الشعب "1/451 عن أبي عن كعب قال: قال موسى عليه الصلاة والسلام: يا رب؛ أقريب أنت فأناجيك أو بعيد فأناديك؟. فقيل له: يا موسى؛ أنا جليس من ذكرني. ونحوه عند أبي الشيخ في "الثواب" عن كعب، والبيهقي - أيضا - في موضع آخر 1/458 أن أبا أسامة قال لمحمد بن النضر: أما تستوحش من طول الجلوس في البيت؟. فقال مالي أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟".الخ.


([33] ) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 6/500 عن سيدنا أنس بن مالك، وفيه صالح المري أورده الذهبي في "الميزان" 3/396 وغيره. متروك".


([34] ) وهو كذلك، فليس هناك في هذه المسألة إجماع بينهم كما مرَّ.


([35] ) منها: الطريقة التجانية.


([36] ) علقه البخاري في "صحيحه" 1/227 عن عائشة رضي الله عنها في "باب: هل يتبع المؤذن فاه ههنا وههنا...الخ"، وأسنده مسلم عنها 1/282 ح 373 وغيره.


([37] ) 3/68 من "المسند".


([38] ) "الكامل" لابن عدي 3/113.


([39] ) "شعب الإيمان" 1/397.


([40] ) في النسخة المعتمدة بدل "عن" كتُب: وأبو سعيد.


([41] ) لم أجد عند أحد ممن أخرج هذا الحديث لفظة المنافقون والله أعلم، ولربما سبق قلم من المؤلف رضي الله عنه إلى حديث: "أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون: إنكم مراءون". فأدخل لفظ هذا في ذاك.


([42] ) "فيض القدير" 2/84.


([43] ) قال في "لسان العرب" 15/143: "غيا، الغاية مدى الشيء والغاية أقصى الشيء. الليث: الغاية مدى كل شيء وألفه ياء، وهو من تأليف غين وياءين وتصغيرها غيية. تقول: غييت غاية. وفي الحديث أنه سابق بين الخيل، فجعل غاية المضمرة كذا، هو من: غاية كل شيء مداه ومنتهاه، و غاية كل شيء منتهاه، وجمعها غايات".اهـ.


([44] ) لم أقف على هذه الرواية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:02

[مستند جواز الرقص من القياس]:

وأما القياس: فقال الشيخ أبو المواهب الشاذلي([1]) في كتابه "فرح الأسماع برُخص السماع" في الفصل الذي عقده للرقص: "احتج من ذهب لإباحة الرقص بالسنة والقياس".

وبعد ذكر حديث الحبشة قال ما نصه: "وأما القياس؛ فهو: مساواة فرعٍ الأصلَ في علة حكمه، فيقاس على أصل فعل الحبشة وفعل علي حين حجل هو ومن شاركه في فعله من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فافهم!".اهـ سياقه.

[نصوص الأئمة على جواز الذكر جماعة مع الاهتزاز والرقص]:

وأما نصوص أئمة الإسلام وعلماء الدين الأعلام على جواز الذكر جماعة من قيام مع الاهتزاز والرقص، فلا يخفى أنه يوجد من أنكر على القوم هذه المواجيد والاجتماعات؛ كأبي الحسن الصُغَيَّر([2]) وغيره من الفقهاء. ولكن لم يرتض الناس ما زعموه في ذلك.

قال الإمام الحافظ الحجة المتقن؛ أبو العباس سيدي أحمد ابن القطب الواضح سيدي يوسف الفاسي رضي الله تعالى عنهما في نصرته للطريقة الصوفية المشتملة على استحباب الجهر بالذكر والمناوبة به، والجمع له والرقص...وغير ذلك، التي ألفها بإذن والده، وجعلها في ثمان ورقات، وهي من أنفس التآليف، وساق فيها جواب الشيخ السنوسي رضي الله عنه صاحب العقيدة.

قال ما نصه [33]: "فإذا ثبت هذا لديكم؛ فلا تجعلوا ما أودع الشيخ أبو الحسن الصغير - رحمه الله - في تلك الكُراسة التي ألفها في الرد على الفقراء، من فرائض معارفكم، ولا من وظائف عقائدكم، فإنه - على جلالته - بنى كلامه فيها على أصل مرجوح. وجمهور الأئمة وفحول الأئمة من عمر بن الخطاب إلى اليوم على خلافه، وهو أنه: سلك طريقة بعض من تقدمه، وهو قصر النظر في النوازل على الرجوع لجزئيات الشريعة، فإن وجد جزئية توافق نازلته فبها ونعمت، وإلا حكم بردها من غير تعريج على ما تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها".

"والحق الذي عليه الجم الغفير؛ هو: النظر لقواعد الشريعة ومقاصدها مع ملاحظة الجزئيات، ولكن هذا لا يحسنه إلا من كان له فقه قلبي قد امتزجت الشريعة بلحمه ودمه، وصارت له طبيعة. على أنا إن جاريناه وأخذنا معه على أصله؛ وجدناه نزَّل أحاديث مجملة كثيرة، منها غير صحيح، في غير محلها، وسردها في غير مستحقها، ونقم عليهم أشياء السنةُ معهم فيها؛ كالرقص الذي أشرتم إليه في سؤالكم".

"فقد قال شيخ الإسلام الجلال السيوطي -يعني في "الحاوي"([3]): مسألة في جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر، ثم إن شخصا من الجماعة قام من المجلس ذاكرا، واستمر على ذلك لوارد حصل له، فهل له فعل ذلك، سواء كان باختياره أم لا؟. وهل لأحد منعه وزجره؟".

"الجواب: لا إنكار عليه في ذلك، وقد سُئل عن هذا السؤال بعينه شيخُ الإسلام سراج الدين البَلقيني، فأجاب [بأنه: لا إنكار عليه في ذلك، وليس لمانعٍِِ التعدي بمنعه، ويلزم المتعدي بذلك التعزير. وسئل عنه العلامة برهان الدين الأنباسي فأجاب]([4]) بمثل ذلك، وزاد أن صاحب الحال مغلوب، والمنكِرُ محروم، ما ذاق لذة التواجد ولا صفا له المشروب...إلى أن قال في آخر جوابه: وبالجملة؛ فالسلامة في تسليم حال القوم. وأجاب بمثل ذلك بعض أئمة الحنفية والمالكية، كلهم كتبوا على هذا السؤال بالموافقة من غير مخالفة".

"أقول([5]): وكيف يُنكَر الذكر من قيام، والقائمُ ذاكر، وقد قال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما}. [آل عمران/ 191] الآية. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله e يذكر الله على كل أحيانه([6]). وإن انضم إلى هذا القيام رقصٌ ونحوُه؛ فلا إنكار عليهم، فذلك من لذة الشهود و([7]) المواجيد".

"وقد ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد بن حنبل([8]): رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي النبي e لما قال له: أشبهت خَلقي وخُلقي. فذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر ذلك عليه النبي e [34]. فكان هذا أصلا في رقص الصوفية لما يدركونه([9]) من لذة المواجيد. وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من أكابر الأئمة؛ منهم: شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام.اهـ".

"وقال عياض في حديث الحبشة: الزفن الرقص: خاف عمر أن يكون مما لا ينبغي، فحصَب الحبشة من أجله، فزجره النبي e وقال: دونكم بني أرفدة. قال: ففيه أقوى دليل على إباحته، إذ زاد النبي e على إقرارهم أن أغراهم!.اهـ".

ثم قال المؤلِّف المذكور([10]) ما نصه: "وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الكراسة، وبالله تعالى التوفيق، وهو المسؤول أن يهدينا لأقوم طريق. وكُتب عن إذن شيخنا الإمامِ العلامة، نخبة الأصفياء، أسوة الأولياء، علمِ المهتدين، شمس العارفين، زمزم أسرار الواصلين؛ يوسف بن محمد بن يوسف الفاسي رضي الله تعالى عنه وعنا به".اهـ.

"يقول كاتبه([11]): وقد سألت عن هذه النازلة شيخَنا الإمام العلامة، المحقق المتبحر في المعقول والمنقول، الصدر النظار، عالم المغرب في هذا الوقت بلا مدافع، العالم الناصح أبا عبد الله سيدي مَحمد بن قاسم القيسي، المعروف بـ: "القصار" رضي الله عنه، فأجاب بالموافقة والحمد لله".اهـ.

قلت: وقد عرَّف العلامة أبو عبد الله مَحمد بن أحمد بن مَحمد بن عبد القادر الفاسي في "المورد الهني بأخبار الإمام عبد السلام الشريف القادري الحسني"، بصاحب "النصرة" المتقدمة، قائلا: "كان إمامَ المحدثين في وقته، حافظا ضابطا ثقة حجة، وكان يصحح نسخ البخاري ومسلم من حفظه رضي الله عنه".اهـ منه بلفظه.

قلت: وراجع ترجمته في "مرآة المحاسن"، و"ابتهاج القلوب"، و"نشر المثاني"، و"صفوة من انتشر"...وغير ذلك من كتب عظماء الرجال.

وفي آخر "المعيار" في السفر الحادي عشر في أوله[12] ما نصه:"وسُئل الشيخ الرحال؛ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعروف بأبي البركات ابن الحاج البَلَّفِيقي عن زاوية للغرباء يجتمعون، لهم فيها ما يقُوتهم، ويؤنسونهم بالمجالسة، ويجتمعون على الذكر والأكل وإنشاد الشعر، ثم يبكون ويشطحون في فصول كثيرة. فأجاب:

"الحمد لله، والله المستعان على ما فيه رضاه؛ إذا كان على ما ذُكر أعلاه، فقد جرى العمل بالعُدْوَتين([13]) على المسامحة فيه".

"وإن فُرِض أن يتخلل ذلك ما يتردد المجتهد في إجازته، ورده بما يقترن به من الخشوع والصدقات وإرفاد ابن السبيل؛ مكفر له إن شاء الله [35] تعالى. قاله وكتبه أبو البركات محمد بن إبراهيم ابن الحاج وفقه الله".

"وقيد عقبه بخط الأستاذ شيخ الجماعة أبي سعيد فرج ابن لب ما نصه: وقفت على السؤال والجواب، ووافقتُ على صحة الجواب المفيد، وقلت بمثله. والله الموفق بفضله. قاله فرج ابن لب حامدا الله ومصليا على رسوله سيدنا محمد e". "فلما وصل هذا الجواب أهل؛ قلانس[14] أنكروه ، وقالوا: فتحتُم علينا بابا لا نقدر على سده أبدا، ونحن نحاكمكم إلى الحكم العدل بما أوهمتم على العامة بذلك..والسلام".

"فأجابهم الأستاذ المذكور بما نصه: وقفت على مكتوبكم، فألفيت كلاما غير معتدل، فتعجبت من تحاملكم في غير محل".اهـ منه بلفظه.

قلت: ونقله أبو زيد سيدي عبد الرحمن ابن شيخ الشيوخ سيدي عبد القادر الفاسي مسلما له، معتقدا تسليمه، معرضا عما يعارضه من كلام المعترضين.


وليس كل خلاف جاء معتبرا



إلا خلاف له حظ من النظر



وفي "الإحياء"([15]) في كتاب التواجد([16]) ما نصه: "ولو كان الرقصُ حراما؛ لما نظرتْ عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع النبي e وهم يرقصون([17]). هذا لفظ عائشة رضي الله عنها في بعض الروايات - كما تقدم في الباب الذي قبله([18]) - وقد رُوي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم انه حجلوا – أي: رقصوا – ([19]) لما ورد عليهم سرورٌ أوجب ذلك".اهـ منه بلفظه.

وقال العالم الأكبر، والعارف الأشهر؛ أبو عثمان سعيد ابن الشيخ أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي رضي الله عنه في نصرته للقوم، المسماة بـ: "الإنالة العلمية، في طريقة الفقراء المتجردين الصوفية":

"وأما الرقص في المسجد؛ ففي "صحيح" مسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء قوم من الحبشة يزفنون يوم عيد في المسجد، فدعاني رسول الله e، فوضعت كفي على منكبه، وجعلت أنظر إلى لعبهم. قال ابن عيينة الزفن: الرقص([20])".

"قال: فثبت أن الرقص في أصله مباح، ولو كان حراما؛ ما فُعل بين يديه e".اهـ.

وفي شرح "النصيحة" للعلامة ابن زِكْري رضي الله تعالى عنه ما نصه: "وفي شرح "الحصن" عن شيخ الإسلام السيوطي: أقول: وكيف ينكر الذكر من قيام؟، والقائم ذاكر، وقد قال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما}. [آل عمران/ 191] الآية، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول [36] الله e يذكر الله على كل أحيانه".

"وإن انضم إلى هذا القيام رقص أو نحوه؛ لا إنكار عليهم، لأن ذلك من لذة الشهود والمواجيد. وقد ورد في الحديث رقصُ جعفر بن أبي طالب بين يديه e لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي. وذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر ذلك عليه النبي e، فكان هذا أصلا في رقص الصوفية لما يذكرونه من لذة المواجيد. وقد صح القيام والرقص في مجلس الذكر والسماع عن جماعة من أكابر الأئمة؛ منهم: شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام.اهـ.

وهذا النقل وإن تقدم؛ أردنا أن نؤيده بنقل العلامة سيدي مَحمد بن عبد القادر لكونه مالكيَّ المذهب، مطلعٌ محقق.

وفي حواشي شيخ بعض شيوخنا علامة المشرق أبي عبد الله الأمير الكبير المالكي[21] على الزرقاني على "المختصر"، نقلا عن أبي المواهب الشاذلي المالكي أنه: "سمع من غير واحد، عن الشيخ قاضي القضاة شمس الدين البساطي أنه: كان يرقص في السماع. قال: وأخبرني من شاهده وهو معتنق مع ولي الله الكبير الشهير سيدي علي وفا".اهـ.

والإمام البِسَاطي([22]) هذا من أعيان المالكية، وترجمته مبسوطة في كتب رجال المذهب.

[أقسام الرقص وأحكامها]:

وقال أبو العباس سيدي أحمد ابن عَجِيبة في "شرح المباحث لابن البنا" ما نصه: "الرقص فيه خلاف كثير بين الصوفية وعلماء الشريعة. والتحرير في المسألة أن تقول: الأصل في الرقص هو الإباحة، إذ هي الأصل، وقيل: الوقف حتى يأتي الحظر، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة رسول الله e ما يقتضي التحريم. وإنما حرمته الأئمة لما قارنه من تعاطي أهل الفساد في جمعهم بين النساء والشبان وآلة اللهو، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما".

"والمتحصل فيه: أنه على ثلاثة أقسام: حرام، ومباح، ومطلوب":

"فالأول: رقص العوام بمحضر النساء والشبان؛ لما يؤدي إليه من الفساد وما يهيج من الطباع الدنية والنفوس الشيطانية، ويلتحق به ما خلا من ذلك. لكن إن قصد به التصنع والرياء وإظهار الحال والتظاهر بما ليس فيه حقيقة؛ فهو حرام أيضا، لما دخله من الرياء والتلبيس. وعلى هذين القسمين يُحمل كلام من أطلق التحريم؛ كصاحب "المعيار"، و"النصيحة الكافية" وغيرهما [37]".

"الثاني: رقص الصالحين وأهل النسبة من غير وجد ولا تواجد، بل راحةََ لنفوسهم وتنشيطا لقلوبهم، بشرط الزمان والمكان والإخوان، وعدم حضور النساء والشبان".

"وما يقال أنه: من فعل السامرية حين عبدوا العجل؛ فعلى تقدير صحته؛ إنما حرم فعلهم لفساد قصدهم؛ لأنهم قصدوا بذلك تعظيم العجل والفرح به، وهذا كفر. ولو كان رقصهم خاليا من ذلك؛ ما حرم عليهم. وقد ثبت أن جعفر بن أبي طالب رقص بين يدي النبي e لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي..."..ثم ذكر كلام ابن ليون التجيبي المتقدم، ثم قال:

"الثالث: رقص الصوفية أهل الذوق والحال ذوقا وتواجدا، وسواء كان ذلك في حضرة الذكر أوالسماع. ولاشك أن دواء القلوب من الغفلة وجمعها على الله مطلوب بأي وجه أمكن، لكن ما لم يكن محرما مجتمعا على تحريمه، فلا دواء فيه. وتقدم كلام الجنيد لما سئل عن السماع: كل ما يجمع العبد على ربه فهو جائز مباح"...ثم ذكر ما تقدم عن شارح "الحصن".

ثم قال ابن عجيبة: "قلت: وقد تواتر النقل عن الصوفية، قديما وحديثا، شرقا وغربا؛ أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله تعالى ويقومون ويرقصون، ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبَرين أنه أنكر عليهم!. وقد رأيت بفاس في زاوية الصقليين جماعةً يذكرون ويرقصون من صلاة عصر يوم الجمعة إلى المغرب، مع توفر العلماء، فلم ينكر أحد عليهم".

"فلا ينكر على الفقراء الرقصَ في حال ذكرهم إلا مقلدٌ جامد، أو معاند جاحد، ويرحم الله الشيخ زرّوق رضي الله عنه حيث قال في بعض شروحه على مُقطعات الشيخ الششتري، لما تكلم على هذا المعنى، قال:

"وإنما أطلت الكلام هنا؛ لوجهين؛ أحدهما: مخافة أن يغتر الغوغاء بهؤلاء السادات، فيتعاطونه في غير محله، فيقعوا في المقت".

"ثانيهما: مخافة أن يَتبع أحد قول الملحدين، أهل العقول الواهية، والأفئدة الخاوية، فيقدح في جملة طريقة أنتجها الصالحون الواصلون أولياءُ الله تعالى، وظهرت نتيجتها في كثير من عباد الله.

"وقد اشتملت طريقتهم على رجال قاموا بأحكام الشريعة، وآداب الحقيقة، وتعلقوا بأسماء رب العالمين، وتخلقوا بأخلاق سيد المرسلين، وآثارُهم حميدة، وملاقاتُهم سعيدة، ترغب الملائكة في خلتهم، واشتاقت الأنبياء إلى رؤيتهم، كتابُ الله مطرز [38] بالثناء عليهم، وبشائر السنة كلها تشير إليهم، عند ذكرهم تنزل الرحمة، وبسبب وجودهم تُدفع النقمة، رغبَ في اللحوق بعسكرهم خليلُ رب العالمين، فيما أخبر عنه في كتاب رب العالمين: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين}. [الشعراء/ 83]"...

"إلى أن قال: ملأ اللهُ قلوبنا من محبتهم، وحشرنا في زمرتهم...اللهم آمين".اهـ كلام الإمام ابن عجيبة رضي الله عن الجميع.

وفي حاشية[23] العلامة خاتمة المحققين، خال والدنا؛ سيدي الطالب ابن الحاج على الشيخ ميارة لدى قول الناظم([24]): "ويُكثر الذكر بصفْوِ لُبه". ما لفظه:

"وأما الرقص والتصفيق، وهز الرأس والتحرك؛ فقال الشيخ زروق في "المباحث الأصلية": إن كان بغلبة؛ فالمغلوب معذور، وإن كان بغير غلبة، وهو للإيهام؛ فهو حرام، لما دخله من الرياء والتصنع والتظاهر بما ليس له حقيقة عنده. وإن كان مع بيان الحال، بحيث يعلم الحاضرون أنه غير مغلوب، وإنما أراد إراحة نفسه وهزَّها ونحوَه؛ فهو إلى الباطل أقرب، وليس من الحق في شيء".اهـ

"والأول: عليه يُحمل رقصُ الحبشة في المسجد في يوم عيد كما في "الصحيح"، ومحمل رقص علي وجعفر وزيد حين أثنى عليهم النبي e، فقال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. وقال لجعفر: أنت أشبهت خَلقي وخُلقي. وقال لزيد: أنت منا ومولانا"..

"قال العلامة ابن زكري في شرح "الحكم": وبقيت حالة رابعة؛ وهو: أن يكون غيرَ مغلوب، وذلك بَيِّنٌ عند الحاضرين. وليس مرادُه راحةَ نفسه، بل الفرح بالانتساب إلى الله وإلى رسوله، ويلحظ الحظ عندهما والقرب منهما، كالشيخ الذي رُئي يرقص وهو يقرأ. فقيل له: ما هذا؟. فقال: قلت في نفسي: عبدُ من أنا؟، وكلامُ من أقرأ؟، وبيتُ من أنا قاصد؟..وكان ذاهبا إلى مكة. وفي معناه قول من قال:


ومما زادني طربًا وتيهًا
دخولي تحت قولك: يا عبادي



وكدتُ بأخمصي أطأُ الثريا
وأن صيَّرْتَ أحمد لي نبيًّا



"وكالمرأة التي ضربت الدفَّ([25]) على رأسه e فرحاً برجوعه سالما من بعض غزواته، وكان ذلك بإذنه. قال: وهذا جائز. والله أعلم. وللشيخ أبي مدين من قصيدة:


فقل للذي ينهى عند الوُجد أهله
إذا اهتزّت الأرواحُ شوقًا إلى اللقا



إذا لم تذُق معْنى شراب الهوى؛ دعنا [39]
ترَقّصَتْ الأشباحُ يا جاهلَ المعنى



إلى أن قال:


وصُن سرنا في سُكرنا عن حسودنا
فإنا إذا طبنا وطابت عقولنا
فلا تلم السكرانَ في حال سكره



وإن أنكرتْ عيناك شيئا؛ فسامحنا
وخامرنا خمرُ الغرام؛ تهتّكنا
فقد رُفع التكليفُ في سُكرنا عنا"



اهـ منه بلفظه


([1] ) محمد بن محمد بن محمد المصري الشاذلي الشافعي أبو المواهب أديب من متصوفة آل البكري بمصر، ولد بالقاهرة 974 هـ ومات بها 1037 هـ. له ديوان شعر وعدة تآليف.


([2] ) المكناسي صاحب كتاب "الفُقَيَّر".


([3] ) 2/405.


([4] ) ما بين معكوفتين ساقط من النسخة المعتمدة، والتصويب من "الحاوي" 2/405.


([5] ) القائل هو: السيوطي.


([6] ) علقه البخاري في "صحيحه" 1/227 عن عائشة رضي الله عنها في: "باب" هل يتبع المؤذن فاه ههنا وههنا...الخ"، وأسنده مسلم عنها 1/282 ح 373 وغيره.


([7] ) في المطبوع من "الحاوي": "أو" بدل "و".


([8] ) سبق تخريجه وليس فيه لفظة "رقص" بل "حجل" كما فصل من قبل.


([9] ) في النسخة المعتمدة: "يذكرونه" وهو من خطأ الطبع على الحجر، والصواب ما أثبته نقلا عن "الحاوي" 2/406.


([10] ) هو أبو العباس سيدي أحمد بن يوسف الفاسي.


([11] ) أي: الحافظ الفاسي رحمه الله.


([12] ) 11/38.


([13] ) الغالب أنه يقصد بهما المغرب والأندلس.والله أعلم.


(3) في المطبوعة من كتاب "المعيار" 11/38 بدار الغرب : قلانش بالشين المثلثة، والصواب ما أثبته الإمام سيدي عبد الكبير الكتاني هنا. قال المقدسي البشاري في "أحسن التقاسيم لمعرفة الاقاليم" 1/121: وأما افريقية فقصبتها القيروان ومن مدنها: وذكر قلانس.


([15] ) 2/277.


([16] ) يعني كتاب السماع.


([17] ) بل لفظ عائشة "يزفنون" وكذلك أثبته الإمام الغزالي.


([18] ) ما بين عارضتين زيادة من المؤلف على ما في "الإحياء".


([19] ) ما بين عارضتين زيادة من المؤلف على ما في "الإحياء".


([20] ) كل هذا سبق توثيقه ولله الحمد.


[21] محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن عبد العزيز السنباوى الأزهري، المعروف بالأمير: عالم بالعربية، من فقهاء المالكية.ولد في ناحية سنبو (بمصر) وتعلم في الأزهر وتوفى بالقاهرة سنة 1232، اشتهر بالأمير لان جده أحمد كانت له إمرة في الصعيد، وأصله من المغرب. أكثر كتبه حواش وشروح أشهرها "حاشية على مغني اللبيب لابن هشام"، ومنها "الاكليل شرح مختصر خليل "و"حاشية على شرح الزرقاني على العزية" .انظر "الأعلام" 7/71.


([22] ) محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن مقدم بن محمد بن حسن بن غانم بن محمد بن عليم القاهري، المالكي، ويعرف بالبساطي أبو عبد الله، شمس الدين عالم مشارك في الفقه والأصلين والنحو واللغة والمعاني والبيان والمنطق والحكمة والجبر والمقابلة والطب والهيئة والهندسة والحساب. ولد في جمادى الأولى سنة 760 هـ ببساط من قرى الغربية بالأعمال البحرية من أعمال مصر، وانتقل إلى القاهرة، فتفقه، ودرس وناب في الحكم، ثم تولى القضاء بالديار المصرية، وتوفي بالقاهرة في 13 رمضان سنة 842 هـ.من تصانيفه: "مطالع الأنوار" في المنطق، "شفاء الغليل على مختصر خليل" لم يكمل وكلاهما في فروع الفقه المالكي، "توضيح المعقول وتحرير المنقول" على ابن الحاجب الفرعي لم يكمل، حاشية على "المطول"، وحاشية على "شرح المواقف" في علم الكلام.اهـ من "معجم المؤلفين" 8/291 وينظر " الضوء اللامع" 7/5، و" البدر الطالع" 2/112، 113.


([23]) ص 544.


([24] ) أي: سيدي عبد الواحد ابن عاشر رضي الله عنه في نظمه الرائق "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين".


([25] ) أخرج الترمذي 5/620 ح 3690 من حديث بريدة: "خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله؛ إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:03

[لا يشترط في الحضرة والرقص غلبة الحال]:

قلت: قول الشيخ زروق رحمه الله: "إن كان الرقص بغلبة؛ فالمغلوب معذور"...الخ، انظر من أين أخذوا شرط الغلبة، مع أن حديث الحبشة الذي أخذوا منه جواز الرقص لا يدل عليه كما تقدم، وكذا الحديثان المتقدمان: "فإن لم تبكوا فتباكوا"، و: "رحم الله عبدا أظهر من نفسه القوة"، لا يدلان عليه.

وفي الحديث([1]): "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله؛ فهو باطل وإن اشترط مائة شرط"...الحديث.

وأيضا؛ غلبة الحال ليس من دأب الرجال، وإنما حالهم: الرسوخ والتمكين، واتباع سيد الأرسال([2]).

وأيضا؛ من اشترط الحضور في الصلاة، هل يعذر أن يمنع من الصلاة إذا لم يحصل حضور؟!. لا لا...والترجيح من غير مرجِّح ليس من دأب العقلاء، وإنما الشرط المعتبر في السنة هو إخلاص العبودية لرب البرية.

وقوله أيضا: "وإن كان بغير غلبة وهو للإيهام؛ فهو حرام"...يقال عليه: لا مفهوم للرقص في حكم الإيهام، بل التدريس والخطابة والتلاوة والصلاة...وغير ذلك، كذلك ومع ذلك يطالَب كل أحد بالقيام بهذه القربات، ويجاهد نفسه.

فقد سُئل الإمام الشافعي عن رجل أراد أن يتخذ سنة العذَبة([3]) فوجد نفسه مرائية؛ هل يترك هذه السنة خوف الرياء؟. قال: "لا يتركها، ويجاهد نفسه". فكذلك هنا ولا إشكال.

وقد قال مُحيي السنة أبو محمد عبد الله الهبطي لما سُئل عن قول بعضهم: "إن الذكر بالجهر فيه الرياء والمباهاة، وربما كانت حيلةً لاستمالة وجوه المخلوقات".

قال رضي الله عنه بعد كلام له: "وأما ما علَّلَه من حصول الرياء والمباهاة، وقوله: ربما كانت هذه حيلةً لاستمالة قلوب الخلق لهم. فهذا شيء قلبيٌّ لا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه. والإنسان [40] بصير على نفسه، وهذه العلل لا تختص بالذكر في الجماعة بالمناوبة، والأصوات العالية المستدعية لحصول الأحوال السَنية فقط، بل الذكر وسائر الطاعات في ذلك سواء".

"ولو كان العمل يُقطع مخافة الوقوع في ذلك؛ ما اجتمَع قوم على خير قط، ولا تصدّر منهم متصدر قط. والمقصود: تركها([4]) لا تركُ العمل من أجلها، وقد نبه العلماء على دائها ودوائها القاطع، ومرهمها([5]) النافع: التغلغلُ في علم التوحيد حتى لا يرى العبدُ فاعلا ولا حيا ولا موجودا في الوجود إلا موجِدَه المجددَ له على الدوام".

"فإذا كان كذلك؛ كيف يُتصور فيه أن يرائي بما هو الله خالقه وفاعله ومنشئه ابتداءً ودوامًا؟!، ويُتصور منه الركون لغير الله مع رؤيته غيرَه غيرَ فاعل بل غير حيٍّ، بل غيرَ موجود؟!. {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}. [لقمان/ 11]. ولكن ليس الشأنُ في قطع الإياس([6]) من الخلق، ولكن الشان: قطعُ الإياس من الخالق من أن لا يُعطيه إلا ما هو في علمه سابقٌ غير مسبوق".

"فمن انقطع طمعه من الحق؛ كيف يتعلق بالخلق؟. {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم}. [البقرة/ 137]، ومن قال: هؤلاء لم يتحققوا بحقائق التوحيد، ولم يرسَخ لهم قدمٌ في ميدان التفريد، ولم يحُط لهم ِرحال بذروة التمجيد؛ فلا يُؤمَنُ عليهم من الفتنة، مع ما أخرجوه من الذكر عن حده المحدود في كتب الأئمة كالغزالي وغيره، فتركُهُ له أولى وأجمل".

"فهذا مثله كمثل من أمر الولدان الصغار بترك القراءة، لما سمعه منهم من إخراج القراءة عن حدها المحدود عند ذوي الأداء. فإذا كان هذا ليس من النظر السديد؛ فذلك كذلك، بل يجب عليه أن يحثهم على الدرس، ويرجّيهم لمبلغ الأستاذ والفقيه، وكذلك أولئك".

"وأيضا؛ لو اعتبرنا صفة القضاء التي في كتب الأئمة، وأنَّ من ليست فيه فلا نُقضيه؛ لما كان يكون اليوم. وكذلك الشهود والأمراء والحسباء وغيرهم من الناس، ولكن كل زمان بأهله، ورحم الله عبدًا عرف زمانه وعرَف ما يصلُح به وبأهله فيه، ورد كل فَنٍّ إلى أربابه. وقول مالك: لا خير في الشهرة. يعني والله أعلم: في حبها، وإلا؛ لو لم يشتهر مالك ما اشتهر مذهبه!".

"والمستحب في كل زمان اشتهار الخير لِمن سلمت نيته، لا سيما في زماننا هذا؛ لأن إذاعة الخير فيه فوائد؛ منها: تنبيه الغافل، ورد الشارد؛ لأن الأحداث إذا لم يروا خيرا [41] يظنوا لا خير في الوجود، وتعليم الجاهل وإعانة العاقل...إلى غير ذلك من الفوائد التي أخبر عنها عمر حين سأله رسول الله e عن نيته بجهره، فقال([7]): أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، والسلام".اهـ.

وقوله – أي: الشيخ زروق - فيما سبق: "وإن كان مع بيان الحال"...الخ، فبقيت عليه حالة إظهار الفرح بالله والمساعدة للإخوان. وقد تقدمتْ في كلام العلامة ابن زكري وسلَّمها من بعده، وعليها يتخرج فعل القوم اليوم في الزوايا والربَط من اتخاذهم ذلك عادة في كل جمعة، هذا لو فرضت أن الله أطلعنا على قلوبهم فعلمنا أنها خالية عن الحال والغلبة، وإلا؛ فلم يكلفنا الله بذلك.

وفي "فرح الأسماع برخص السماع" للإمام أبي المواهب التونسي المالكي نقلا عن الإمام النووي رضي الله عنه ما نصه: "ويباح رقصٌ ما لم يكن بتكسير وتثنٍّ كهيئة مخنث، فالأمر فيه مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن..".

"وذهبت طائفة في التفرقة بين أرباب الأحوال وغيرهم، فيجوز لأرباب الأحوال ويكره لغيرهم. وهذا القول هو المرتضى، وعليه أكثر الفقهاء المسوّغين لسماع الغناء، وهو مذهب السادات الصوفية رضي الله عنهم. وبعض المتصوفة يفرق بين أن يشير به شيخ أم لا، فإن أشار به شيخ؛ اعتمد، وإلا؛ فلا".اهـ منه بلفظه.

فقف على تفصيل النووي وجزمِه بأن الأمر فيه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، ونصرة جوازه بالنسبة لأصحاب الأحوال، ولم يشترط غلبة الحال عليهم، إنما اشترط كونهم من أهل الأحوال. ثم نقلِه أنه يجوز إن أمر به شيخ...وهو نص جليل من إمام عظيم!.

وفي "الإرشاد إلى تصفية النفس وتطهير الفؤاد" ما نصه: "وإن قام أحد من القوم لغلبة؛ فينبغي أن يقوموا، لأن مذهبهم: الموافقة والمساعدة، وذلك القائم صادقٌ في دعواه، ولا بأس أن يقوم متواجدا يعلم الجماعة بتفعُّله، ويطلب مع ذلك حصول الوجد".اهـ نصه.

ولما تكلم الشيخ الحافظ أبو العباس أحمد بن يوسف الفاسي على الرقص قال ما نصه: "وعلى هذا جرى عمل القوم؛ لا يقوم أحد ولا يتحرك إلا عن وجد صادق وحالة غالبة، إلا أن يكون على سبيل المساعدة لصادق، أومطايبة من غير تساكُر ولا إظهار حال".اهـ كلامه.

وأصله للسهروردي في "العوارف"([8])، ونصه: "وليس من الأدب استدعاءُ الحال والتكلف للقيام إلا عن غلبة حال يرِدُ عليه [42] مزعج، أو يكون على سبيل مساعدة لصادق".اهـ.



[جواب الإمام ابن سيد بونة في مسألة الرقص]

وذكر الإمام الشاطبي - رضي الله عنه - في كتابه المسمى "السر المصون، في قوله e: اذكروا الله حتى يقول المنافقون: إنكم مراءون"([9]) ما نصه: "وكتب عبد الله بن حكم - من علماء شاطبة - لأبي العباس أحمد بن سيِّد بُونة رضي الله عنه يستفتيه في أشياء أنكرها على المريدين، مثل: الهز والرقص والدوران، وما أشبه ذلك، وعدها بدعة، وطلب منه الجواب، فكتب إليه هذا الجواب:

"الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد؛ سلك الله بك طريق الحفظ والهدى، وجنبك ورطات الفتن والردى، فإنه وصلني كتابك المظلمة أنواره، المسيئة أخباره، لكثرة أمراضه":

"فمن بعضها: إنكارك على ما رأيتَ من الاضطراب والارتعاد، والقشعريرة والدوران، والضجيج والصياح، والصعق والغشيان...وغير ذلك مما يخص اللهُ عز وجل به غرباءَ أمته في كل زمان، وهو سنة أهل التصوف قديما وحديثا".

"لأن السنة سُنتان: سنة العوام، وسنة الخواص. والثانية لا يعرفها غيرهم. ومن ذلك ما رأيتَه وأنكرتَه. ومنها: ما لم تره ولم يبلغك علمه، ولو سمعته لم تفهمه، وقد شهد لهم به الآثار والقرآن، وكُتب أئمة الشان؛ كأبي حامد الغزالي، وأبي طالب المكي، وأبي القاسم القشيري...وغيرهم، رزقنا الله المشي على سبيلهم. بل والله كل الأنبياء والأولياء لم يُعرف لهم إلا البكاء والارتعاش، والصعق والغشيان، وخوف الله تعالى وجلالتُه وعظمته وهيبته".

"وقد جاء اليهود إلى رسول الله e فقالوا: يا محمد؛ صف لنا ربك ما هو؟. فأخذته e رعدة حتى غُشي عليه، فلما أفاق من غشيته قال: إن ربي ليس كمثله شيء، ولا هو من شيء، ولا شيء كهو، كل شيء يموت إلا هو. فقالوا: بيّن لنا الصفة. فنزلت سورة الإخلاص([10])".

"وقال e ([11]): ما جاءني جبريل قط إلا وهو يرتعد خوفا من الجبار. وقال زيد بن عمرة: شهدتُ مجلسَ عبد الواحد بن زيد بعد العصر، فكنتُ أنظر إلى منكبيه يرتعدان، ودموعه تنخدر على لحيته وهو ساكت والناس يبكون".

"وحُكِي أن سيدَنا موسى عليه الصلاة والسلام قصَّ على قومه ذات يوم، فزعق منهم واحد، فانتهره موسى عليه الصلاة والسلام معاتبا له، فأوحى الله إليه [43]: يا موسى؛ بطِيبي فاحوا، وبحبي باحوا، وبوجدي صاحوا، فَلِمَ تُنكر على عبادي؟!. وصاح الشبلي ليلةً بين القوم، فقيل له: مالك؟. قال:


لي سكرتان وللندمان واحدةٌ



شيءٌ خُصصتُ به من بينهم وحدي



"وكان أبو الحسن النوري يقول في ولهه ودهشه: الله الله الله. ويدور وهو قائم. وكان سيدنا عمر بن الخطاب يصيح عند الذكر ويُغشى عليه، ويكاشَف بالغيوب".

"وللسماع نصيبٌ لكل عضو؛ فإذا وقع على العين منه شيء؛ تبكي، واللسانِ يصيح، واليدِ تُمَزِّق وتلطم، والرجلين ترقص...والخبر في هذا كثير. فمتى لاح لهذا الراقص أو الصارخ برقٌ واقشعر لبهاء مولاه جلدُه، ولان بذكر سناه فؤاده، فَرَقَّ وحَنَّ وصاح وباح، ولعله بذلك استراح، أيقال له: كذبت وباطل ما ادعيت؟".

"فتُبْ سريعا لمولاك، وصَدِّقْ ما رأيت ما([12]) هنا وهنالك. وإن تبعتهم ودخلت مدخلهم وتحققت حالهم؛ عذرتهم، بل والله أحببتهم وأكرمتهم، وكنتَ ممن تواجد وذاق وعرف. فلا تنكر على أحد منهم شيئا، ولا تذكر أحدا منهم بسوء لئلا تهلك مع الهالكين، فإنَّ الأمرَ أكثرُ مما تظن، وأكثرُ مما قيل لك، فالزَمْ الصِّدق مع الله، واترك الخلق ترى العجب العجاب حتى تشاهد مولاك".

"واعلم أن كل علم يُرجع فيه لأربابه، ومذهبَ أهل هذا الطريق هو أعلى المذاهب وأرفعها، ولا يعرفها غيرُهم، فلا يتحققه إلا من دخل معهم، ومن لم يدخله عاداه، ومن جهله أنكره. ومن إكرام المرء نفسَه: أن لا يقول إلا ما أحاط به علما".

"وما ذكرتَه من كلام الفقهاء المتقدمين؛ كمثل أبي بكر الآجري، وكتاب "التلبيس" وأشباههم، كل ذلك غيرُ صحيح، لا يَلتفت إليه العاقل، ولا يعوِّلُ عليه الواصل، بل ينبغي أن تُمحي تلك الأسطر من تلك الكتب، لأنها أضلت كثيرا من الناس. نسأل الله العصمة، إنه كريم وهاب، والسلام على من تبرأ من دعواه، وآثر الله مولاه، وعَبَدَهُ كأنه يراه، وأحبَّه وأحب أولياءه حتى يلقاه، سليمَ القلب من كل خاطر سواه، ورحمة الله وبركاته".اهـ منه بلفظه.

وهو كلام عجيب، ذو أسلوب غريب، لا يصدر إلا من صاحب فيض رباني، ونور اختصاصي رحماني.

وفي "المنن الكبرى"([13]) للإمام الشعراني رضي الله عنه ما نصه: "ومما [44] مَنَّ الله به عليَّ: عدمُ مبادرتي للإنكار على من قام وتواجد، ولو كان من الظلَمة أو لم يكن له به عادة، فقد يكشف الله الحجاب عن بعض القلوب، فتَحِنُّ إلى وطنها، فتتمايل كالشجرة كأنها تريد قلع عروقها من الأرض".

"كان الشيخ عبد الرحيم القناوي، والشيخ أبو الحجاج الأُقصري، وغيرُهما من الرجال، يستمعون ويهيجون كهيجان الجِمال، ويصير أحدهم يقول: يا6حمهàخ حبيبي، يا حبيبي...وهو لا يشعر بأحد من الخلق".اهـ منه باللفظ.

وفي "الطبقات الصغرى"([14]) له أيضا رضي الله عنه، في ترجمة سيدي يوسف الهمداني رضي الله تعالى عنه، ما نصه: "السماع: سفرٌ إلى الحق وإلى رسوله، والتّسماع هتَّاك للأستار، وكاشفٌ للأسرار، وشمسٌ طلعت على بساط القرب من غير بعد هنالك، فترى أهل السماع والهين حيارى، خاشعين سكارى".

"وكان يقول: إن الله خلق من نور بهائه ألف ملَك من الملائكة المقرَّبين، وأقامهم بين العرش والكرسي على بساط الأنس، في حضرة القدس، لباسُهم النور الأخضر، ووجوهُم كالقمر ليلة البدر، فهم هائمون متواجدون،والِهُون حيارى، خاشعون سكارى، منذ خُلقوا يهرولون من ركن العرش إلى ركن الكرسي، لما لهم من شدة الوله. فهم صوفية أهل السماء، إخواننا في النسب: فإسرافيل قائدهم ومرشدهم، وجبريل رئيسهم ومتكلمهم، وميكائيل حاديهم، وعزرائيل ساقيهم، والحق تعالى أنيسهم وجليسهم".اهـ...

[غاية الكمال: التأسي بالنبي e]:

وقال الإمام الفاضل أبو الفتوح سيدي أحمد بن محمد الطوسي الغزالي - أخو أبي حامد حجة الإسلام الغزالي، وهو السبب في زهده وخروجه للسياحة كما في "النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المناقب" - في كتابه المسمى: "بوارق الإلماع، في تكفير من يحرم السماع، وبيان شرفه بالإجماع":

"أخرج البخاري([15]) ومسلم([16]) عن عائشة قالت: قال رسول الله e: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمُهم بالله وأشدهم له خشية".

"وقد اجتمع في حضرة النبي e سماعُ الشعر والدف، والغناء والرقص([17])، فمن حَرَّم ذلك كان اعترافا منه أن النبي e فُعل بحضرته مُحرّم أقره، ومن اختلج في ظنه أنه عليه الصلاة والسلام فعل بحضرته محرم وأقره؛ فهو كافر باتفاق. ومن اجتنبَ حضور مجالسه [45] وأقر حكمه؛ فهو فاسق؛ لأنه اجتنب مجلسا حضره النبي e".اهـ.

وفي "سنن المهتدين"([18]) عن ابن العربي ما نصه: "ولما كان التأسي به محمودا؛ استحال أن يأتي منه e فعلٌ فيه تخصيص ولم يبيّنه لأمته".

وقال أيضا([19]): "ما فعله النبي e كلُّه يحسُن التأسي به e على كل حال، إلا أن يخبر e أنه له خاصة، أو ينطِق القرآن بذلك، وإلا؛ فلا، فالاقتداء به e أقل أحواله: أن يكون مندوبا إليه".

[جواب الإمام ابن خجّو في مسألة الرقص]

وفي "ضياء النهار لغمام الأبصار، في نصرة الفقراء أهل السنة الأخيار، المبين لما خفي من أحوالهم للأبرار"، لفقيه الملة، ناصح الأمة؛ أبي القاسم علي المعروف بابن خجو، ما نصه:

"فإن قال لك قائل جاهل بما في كتاب السماع من "إحياء علوم الدين"، وبما في القشيري وأبي نعيم في "الحلية"، وبما في "صفوة الصفوة" للجوزي([20])، وبما للقزويني في تفسير سورة الحج، وبما للفقيه الإمام ابن أبي زمنين في "حياة القلوب، في صفة أرباب القلوب". فما دليل الفقراء على جواز البكاء والعويل، والأنين والرقص، والتصفيق والاهتزاز، والركض والزفن، والصياح والزعق، وتقطيع الثياب والسقوط على الأرض متغاشين؟".

"قلت: أصل جواز الرقص: رقص الحبشة في مسجد الرسول e وهو ينظر إليهم، ويقول لهم: دونكم يا بني أرفدة. أي: جِدُّوا في الرقص".

"فالرقص والشطح ولباسُ المرقعات والصفق ونحوه مما ذكر، فجميع ذلك له أصل يُبتَنى عليه في الشرع، وكذلك حِلق الذكر؛ فلا يلام فاعل ذلك بمجرده مطلقا، إذ لا يحرم من ذلك إلا ما يقع منه رياء وسمعة، سوى تقطيع الثياب؛ إذ لا يسوغ تقطيعها اختيارا، تقطيعًا لا يبقي فيها منفعة".

[الدليل على جواز البكاء بالأنين والصعق ونحوه في ملأ من الناس]:

"أما الدليل على جواز البكاء في ملإ من الناس بالأنين ونحوه؛ فحديث العرباض بن سارية الذي قال فيه([21]): وعظَنا رسول الله e موعظة بالغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب...الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث والحكايات".

"ومن ذلك: ما نقله الإمام ابن العربي في أول كتابه "سراج المريدين"( عند افتتاحه للكتاب، حين ذكر خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه التي قال: خطَبَنا أبو علي الحلبي خطيبُ المسجد الأقصى [46] حيث قال في كلامه: ولم يبلغ من الخطبة هاهنا حتى غلب على الخلق الأنين، واستولى عليهم الحنين، وسال الدمعُ وارتفع الزعق، وكثر الصعق...الحكاية إلى آخرها".

"وما نقله الفقيه ابن أبي زمنين في "حياة القلوب"، والغزالي في كتاب السماع. ومن وجد عند قراءة قوله تعالى: {إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما ذا غصة وعذابا أليما}. [المزمل/ 12-13] فصعق e".

"ومن "الإحياء"([22]) في كتاب السماع: أن عمر رضي الله عنه قرأ: {إن عذاب ربك لواقع. ما له من دافع}. [الطور/ 7ـ 8]، فصاح صيحة وخر مغشيا عليه، وحُمل إلى بيته فلم يزل في بيته مريضا شهرا...".

"إلى غير ذلك من الحكايات التي لا تسع في دفتر واحد؛ كحكاية الشبلي التي في كتاب السماع([23]) المذكور التي قال فيها: كان الشبلي في مسجده ليلة رمضان، فقرأ الإمام: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك}. [الإسراء/ 86]، فزعق الشبلي زعقة ظن الناس أنها طارت روحه، واخضر وجهه، وارتعد... الحكاية إلى آخرها".

"وفي هذا المعنى قال الإمام ابن البنا في "المباحث الأصلية" في باب السماع منها:


والرقصُ فيه دون هجم الحال
ومن يكن يقوى على السكون
والزعَقاتُ فيه والتمزيقُ



ليس على طريقة الرجال
فإنه أسلم للظنون
ضعفٌ، وهز الراس والتصفيقُ



"والضمير في قوله "فيه" في البيت الأول يعود على السماع، ولا يُنكرُ وجود هذه الأشياء من غير رياء إلا جاهل بأحوال أرباب القلوب، ومن لا قلب له، وسبَح عمرَه في بحر الغفلة، ولم يراقب علام الغيوب".

"ولا يخفى على من له أدنى بصيرة أن حقيقةَ الخوف: حدوثُ ألم ما في القلب، وأن غايَته خروجُ النفس بالموت خوفا وانبهارا، وحقيقة أول السُّرور: حدوث شيء ما من الفرح في القلب، وأقصاه: خروج النفس شوقا. وتلك الحالة التي ذمَّ بها الجهالَُ الذين لا قلوب لهم أربابَ القلوب. ففرقٌٌ بين مبدأ حقيقة الخوف وأقصاه وما بين مبدأ الفرح وأغياه".


([1] ) رواه البخاري في "صحيحه" 1/174 ح 444 ومسلم في "صحيحه" 2/1141 ح 1504 عن عائشة رضي الله عنها.


([2] ) أي: الرسل.


([3] ) قال الدمياطي في "إعانة الطالبين" 2/82: "قوله: فعل العذبة. هي اسم لقطعة من القماش تغرز في مؤخر العمامة
وينبغي أن يقوم مقامها إرخاء جزء من طرف العمامة من محلها".اهـ.



([4] ) أي: المباهاة.


([5] ) قال في "لسان العرب" 12/257: "والمَرْهَمُ طِلاء يُطْلى به الجرح وهو ألين ما يكون من الدواء مشتق من الرِّهْمَةِ للينه وقيل هو معرب".


([6] ) في "لسان العرب"6/259: "أَيِسَ يَأْيَسُ وآيَسْتُه أَي أَيْأَسْتُه وهو اليَأْسُ والإِياسُ".


([7] ) "سنن الترمذي" 2/309 ح 447 و"سنن أبي داود" 1/423 ح 1329 كلاهما عن أبي قتادة رضي الله عنه.


([8] ) وقفت على كلام قريب منه في "العوارف" 1/259 مع "غنية العارف".


([9] ) سبق تخريجه.


([10] ) الموقوف عليه في الكتب المسندة غير هذا اللفظ الذي ساقه الإمام المؤلف رضي الله عنه من كلام أبي العباس بن سيد بونة، فقد أخرج الطبراني في "السنة" عن الضحاك قال: "قالت اليهود: يا محمد؛ صف لنا ربك. فأنزل الله: {قل هو الله. أحد الله الصمد}، فقالوا: أما الأحد فقد عرفناه، فما الصمد؟. قال: الذي لا جوف له". من "الدر المنثور"8/671.


([11] ) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدت ما أخرجه أبو الشيخ في كتاب "العظمة" 2/270 عن سيدنا عبد الله بن عباس أنه قال: "إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار تبارك وتعالى ترعد فرائصه فرقا من عذاب الله تعالى يقول: سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك. وإن ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب".


([12] ) هكذا في النسخة المعتمدة.


([13] ) ص 508.


([14] ) ص 193-194.


([15] ) في "صحيحه" 5/2263 ح 5750.


([16] ) في "صحيحه" 4/1829 ح 2356.


([17] ) سبق تخريج كل هذا مفرقا في هذا الكتاب ولله الحمد.


([18] ) ص485.


([19] ) ص 477.


([20] ) يعني: ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله.


([21] ) "سنن أبي داود" 4/200 ح 4607، و"سنن الترمذي" 5/44 ح 2676.


([22] ) 2/297.


([23] ) "الإحياء" 2/297.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:04

[ماهية الوجد، وأقسامه وأحكامها]:

"قال أبو حامد في كتاب السماع من "إحياء علوم الدين"([1]) في الوجد: اعلم أن الوجد ينقسم إلى: هاجم وإلى متكلف؛ ويسمى: التواجد، وهو تواجد التكلف. فمنه مذموم؛ وهو الذي يُقصد به الريا، وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها".

"[ومنه]([2]) ما هو محمود؛ وهو: التوصل [47] إلى استدعاء أحوال واكتسابها واجتلابها بالحيلة، فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال السنية. ولذلك أمر e من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن([3])"...

"إلى أن قال أبو حامد بعد كلام طويل تركته اختصارا: وانقسامُ الوجد إلى ما يمكن الإفصاح عنه وإلى ما لا يمكن، وانقسامه إلى المتكلف وإلى المطبوع"...

"إلى أن قال: فلا يرفعْ صاحبُ الوجد صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه، ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراآة؛ لأن التباكي استجلابٌ للحزن، والرقص سبب في تحريك السّرور والنشاط، فكل سرور مباحٌ تحريكه"...

"إلى أن قال: وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرورٌ أوجب ذلك، في قصة بنت حمزة([4]) لما اختصم علي بن أبي طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة، فتشاحّوا([5]) في تربيتها رضي الله عن جميعهم. فقال رسول الله صلى الله عليه لعلي: أنت مني وأنا منك. فحجل. وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي. فحجل جعفر وراء حجل علي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا. فحجل وراء حجل جعفر، ثم قال عليه السلام: هي لجعفر؛ لأن خالتها تحته، والخالة والدة".

"إلى أن قال أبو حامد: والحجل هو الرقص، وذلك يكون بفرح أو شوق، فحكمه حكم مُهَيِّجه...إلى أن قال أبو حامد بعد كلام طويل: قال عمرو بن عثمان المكي: لا تقوم على كيفية الوجد عبارة؛ لأنه سر عند عباده المؤمنين...إلى أن قال: الوجد أول درجات الخصوص".

"إلى أن قال: فإذا انقطعت الأسباب، وخلص الذكرُ وصحا القلب ورق وصفا، ونجحت فيه الموعظة، وحل من المناجاة في محل قريب، وخوطب وسمع الخطاب بأذن واعية وقلب شاهد، وسر ظاهر يشاهد منه ما كان خاليا؛ فذلك هو الوجد؛ لأنه وجد ما كان معدوما عنده".

"وقال أيضا: الوجد: ما يكون عند ذكرٍ مزعج، أو خوف مُقْلِق، أو توبيخ على زلة، أو محادثة لطيفة، أو إشارة فائدة. أو يكون شوقا إلى غائب، أو ندما على ماض، أو أسفا على فائت، أو استجلاب حال، أو داع إلى واجب، أو مناجاة إلى سر...".

"إلى أن قال بعد كلام في معنى العشق: ولعلك تقول: كيف يتصور العشق في حق الله تعالى حتى يكون السماع محركا له؟. فاعلم [48] أن: من عرف الله أحبه الله لا محالة، ومتى تأكدت معرفته تأكدت محبته بقدر معرفته. والمحبة إذا تأكدت؛ سُميت عشقا، فلا معنى للعشق إلا محبة مؤكدة مفرطة، ومعنى: أحبه الله؛ أي: هداه الله ووفقه واصطفاه. و من "قانون التأويل":


مَن كان يفرحُ باللذات والطربِ
ويشربُ الراحَ في وقت الربيع على
فإن لله أقوامًا إذا طربوا
بل كل همتهم في ذكر سيدهم



ويستريحُ إلى روض البساتين
نوعِ الثمارِ وأنواع الرياحين
لا يسكنون إلى رسْم الدهاقين
أهل التقى وجميلِ الفضل والدين". اهـ





[دحض زعم تحريم الاهتزاز بحجة أنه رياء]:

"فإن قلت: إن الرقص والاهتزاز ونحوهما قد صرحتم بتحريم ما يقع من ذلك رياءً وسمعة، وأكثر الناس محمولون على الرياء، فلأجل ذلك أنكرتُ عليهم خوفَ أن يلعبَ الشيطانُ بهم ويزيدَ لهم الرياء والسمعة..".

"قلت: أصلح نفسك التي تعلم مساوئها بالدليل القطعي، ولا دليلَ على الغير إلا بمجرد الظن، وسوءُ الظن بالمسلم حرام. وما في القلوب من إخلاص أو رياء لا يعلمُه إلا الله علام الغيوب".

"فكيف يحل لنا أن نظن بمن ذكرَ اللهَ تعالى أو تلا القرآن أو سمع موعظة فرقص واهتز، أو ركض أو صفق أو صعق، الرياءَ والسمعةَ، ونحمله على أمر محرم، ونحن نقرأ قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. [الأنفال/ 2]، وقوله: {وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. [الحج/ 34]، وقوله تعالى: {وقلوبهم وجلة}. [المؤمنون/ 60]".

[حديث آخر في مشروعية الاهتزاز بالذكر]:

"وفي "المختار شرح الموطأ الجامع بين المنتقى والاستذكار"، في باب الذكر منه: ثبت([6]) عنه e أنه: مشى يومًا مع أصحابه حتى وقف على جبل، فقال: سيروا، فقد سبق المُفْرِدون. قيل: يا رسول الله؛ من هم؟. قال: الذين اهتزوا بذكر الله، يضع الذكرُ عنهم أوزارهم".

"قال صاحب "المختار" في شرح هذا الحديث: قوله: المفردون؛ يعني: الذين أفردوا الله تعالى بالوجود الحقيقي بعموم العلم والقدرة، وبعموم الخلق، وباختصاص الإرادة...إلى أن قال: لم يروا إلا الله!..".

"ثم قال: "قوله: الذين اهتزوا بذكر الله. يعني: الذين غلب عليهم الذكر في الأقوال، والطاعة في الأعمال، حتى يكونوا كما روي عن الحسن البصري أنه قال: أدركتُ أقواما لو رأيتموهُم؛ لقلتم: إنهم مجانين، ولو رأونا؛ لقالوا [49]: فساق...الخ ما ذكر".

"وهذا ذكره صاحب "الأنوار السنية" وشرحه بنحو من ذلك، وأعرفه في حديث آخر، وأظنه في صحيح مسلم([7]) بلفظ آخر قال فيه: سبق المفردون. قيل: ومن هم يا رسول الله؟. قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات".

"وأعرفه في "سراج المهتدين"( لابن العربي بلفظ ثالث؛ قال فيه: سبق المفردون. قيل: من هم يا رسول الله؟. قال: الذين اهتزوا بذكر الله".

"وكفى بـ: "المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار"، و"شرح الأنوار السنية" حجةً، حيث شرحا لفظ الاهتزاز".اهـ كلامه.

[الرقص فرحًا بالحق تعالى]:

أقول: والحالة الرابعة للرقص التي استدركها العلامة ابن زكري على الشيخ زروق، وهي: حالة الفرح بالله، التي أشار لها القاضي عياض رحمه الله في قوله:


ومما زادني فرحًا وتيهًا
دخولي تحت قولك: يا عبادي



وكدتُ بأخمُصي أطأ الثريَّا
وأن صيّرتَ أحمد لي نبيا



قد نص على اعتبارها واستحسانها جبل السنة والدين: الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.

ففي "الحدائق"([8]) للإمام أبي سعيد النيسابوري عن الإمام أحمد، أنه قيل له: "إن هؤلاء الصوفية جلسوا في المساجد على التوكل بغير علم"، فقال: "العلم أقعَدَهُم في المساجد!". قيل له: "إن همّتهم كبيرة". قال: "لا أعلم قوما على وجه الأرض أحسنَ من قوم همتُهم كبيرة". قيل: "إنهم يقومون ويرقصون!". قال: "دعهم يفرحوا مع الله ساعة!!".

وحكى قبلها عن بعض المشايخ أنه: مر بحبشي يرقصُ في أيام القحط، ويقول: "من مثلي ولمولاي كذا وكذا من مد مِن حنطة؟". فأخذ هذا الشيخ يرقص ويقول: "من مثلي ولمولاي مُلك السماوات والأرض!".اهـ




[إثبات أن التمايل في الذكر كان من لدن الصحابة والسلف الصالح، والرد على صاحب "الإبريز في إنكاره ذلك]

فإن قلت: ذهب صاحب "الإبريز"([9]) على عدم القول بالتمايل، وربما ظهر من كلامه إنكار الرقص رأسا. ونصه: "إن الحضرة لم تكن في القرون الثلاثة".

وسبب ذكره لهذا الكلام: أن رجلا سأله عنها، فأجابه بقوله: "نسأل عن هذه المسألة علماءَنا هل فعلها النبي e أم لا؟. فإن نفوا ذلك؛ سألناهم: هل فعلها أحد من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم؟. فإن قالوا: لا. سألناهم: هل فعلها التابعون؟. فإن قالوا: لا. قال: نسألهم هل فعلها أحد من أتباع التابعين؟. فإن قالوا: لم تثبت عن أحد منهم. علمنا أن ما لم يفعله هؤلاء القرون الثلاثة لا [50] خير فيه!"...وهذا كلامه باختصار، ويأتي تتمة كلامه إن شاء الله تعالى.

الجواب والله الموفق للصواب: إنه لما وقع النزاع بيننا وبينه فيه، نرجع لكلام الله ولسنة رسوله كما في القرآن، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}. [النساء/ 59]، وقد رددناه إلى كتاب الله تعالى ثم لسنة رسوله e، فوجدنا فيهما أصول الرقص وما يستنِد إليه فيهما أربابُه، على أن عدم وجود نص في القرآن أو السنة لا يصيّره بدعة ولا غير مشروع أبدا، بدليل تقسيم البدعة إلى ما هو واجب أو مندوب، وقد أوضحنا - فيما سبق - أن البدعة ما ليس له أصل في السنة، وليس الأمر كذلك هنا.

وفي "الإحياء"([10]): "ليس كلُّ ما يُحكم بإباحته منقولا([11]) عن الصحابة، وإنما المحذور: ما يراغم سنة مأثورة".اهـ.

نقول: إن كان مرادُه - رضي الله تعالى عنه - إنكارَه التمايلَ في الذكر فقط، فيرد عليه أن الإمام العارف السُهْرَوَرْدي ذكر أن سيدنا موسى عليه السلام كان يتمايل إذا قرأ التوراة ويهتز.

وفي "نصرة" الشيخ أبي القاسم ابن خجو للصوفية نقلا عن صاحب "المنتقى" وغيره على باب الذكر من "الموطأ" ما نصه: "ثبت عنه - عليه السلام - أنه مشى مع أصحابه حتى وقف على جبل فقال([12]): سيروا واستبقوا، فقد سبق المُفْرِدون. قيل: يا رسول الله؛ من هم؟. قال: الذين اهتزوا عند ذكر الله، يضعُ الذكر عنهم أوزارهم".اهـ

وفي جواب للعارف الفاسي، ونصه: "وقد وقع في وصف الصحابة من كلام مولانا عليِّ أنهم: كانوا إذا ذكروا الله؛ مادوا([13]) كما يميد الشجر في يوم الريح، وهَمَلَتْ عيونهم بالدموع حتى تبل ثيابهم([14])".اهـ منه. ولاشك أن المثبت مقدمٌ على النافي، لأن من أثبت حجةٌٌ على من خفي.

وقد قال الإمام العارف الكبير، شيخ الطريقة الخلوتية في المشارق والمغارب؛ أبو عبد الله محمد بن سالم الحفني الشافعي، شيخ الإسلام بالديار المصرية في عصره، في رسالة له مستقلة، فيما نقله عنه العلامة الشيخ حسن العدوي المالكي في كتابه "مشارق الأنوار" - وهو الذي وصفه بالقطبانية في هذا الكتاب - ونصه:

"ولا عبرة بما أنكره بعض الناس على القوم من التمايل، وقالوا: لم يرد بذاك نص، وإنما ورد في الحديث الحثُّ على ذكر الله من غير تمايل [51]. قال القطب المذكور: الجواب: أن الحافظ أبا نُعيم روى –يعني: في "الحلية"([15]) - عن سيدنا الفُضيل بن عياض أنه قال: كان أصحاب رسول الله e إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة في الريح العاصف إلى قُدام، ثم ترجع إلى وراء. قال: فاغتنم ذلك يا أخي؛ وإن كنتَ منكرا ولابد؛ فأنكر على أهل المحرمات بالنص.اهـ منه بلفظه.

وفي "مغني المحتاج" للعلامة أحمد بن الحسن ابن عرضون، نقلا عن جواب الإمام العارف أبي المواهب عبد الوهاب بن أحمد المشهدي الحنفي، المشهور في الديار المصرية بتاج الدين، بعد ذكره أثر الفضيل هذا عن "الحيلة"، قال: "المتفق على صحتها". وزاد ما نصه: "ومعلوم أن الشجرة في يوم الريح تتحرك حركة شديدة يمينا وشمالا".اهـ

وقد سبقهم إلى الاستدلال بأثر "الحلية" هذا على تمايل الصوفية عند الذكر واهتزازهم: القطبُ الشعراني في كتابه "الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية".

وفي "الميزان الصغرى" للشعراني - رضي الله عنه - ما نصه: "نقل ابن الصلاح - رحمه الله - عن الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في رسالته القديمة: الصحابة رضي الله تعالى عنهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع، ورأيهم لنا أحمد وأولى من رأيناك لأنفسنا".اهـ.

وقد صح عنهم - رضوان الله تعالى عنهم - هذا التمايل الكامل الذي لم نره يصدر عن أحد من أهل وقتنا قط!.

فالاقتداء بهم أولى من كل أحد كائنا من كان، حيث إنَّ الشارع حضَّنا على اتباعهم فقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"([16])، وقال: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"([17])، وهو مصحح عند أهل الكشف كما في "الميزان الكبرى"([18]) للشعراني رضي الله عنه.

ويظهر من كلام سيدنا الفضيل أن هذا التمايل كان يصدر من جميعهم أو من جلهم، لا من أفراد منهم فقط.

وفي "حل الرموز ومفتاح الكنوز" لابن عبد السلام المقدسي: "واعلم أنه قد حضر السماعَ، وسمع وما قنع بالسماع، حتى كشف القناع، وتواجد وتحرك كثيرٌ من الأكابر والمشايخ والتابعين".اهـ منه، فقف على إثباته التواجدَ والتحرك عن التابعين.

وفي "تحفة الإخوان" لمفتي المذهبين أبي العباس أحمد الدردير المالكي المصري ما نصه: "ولا يعيبهم ذكرُ الله [52] قياما وقعودا، أو هزُّهم في الذكر والإنشاد الذي يقع، وليس هذا بخفة كما يزعمه المنكرون. فإن للذكر حلاوة ومخامرة باطنية يعلمها أربابها. فاقتضى هذه الحالة شدة الذكر وشدة الهز، كما أشار له الغوث سيدي أبو مدين المغربي بقوله:


أيا حادي العشاق قم وَاحْدُ قائما
وصُن سرَّنا في سكرنا عن حسودنا
فإنا إذا طبنا وطابت نفوسنا



وزمزم لنا باسم الحبيب وروحْنا
وإن أنكَرَتْ عيناك شيئا فسامحنا
وخامَرَنا خمرُ الغرام تهتكنا



وكما قال غيره:


ولما اجتلاك الفكر في خلوة الرضا
لعَمْرُك ماضل المحب وما غوى



وغُيِّبْتَ؛ قال الناس: ضلت بك الأهوا
ولكنَّهُم لما عَمُوا؛ أخطئوا الفتوى



وفي "حائية" شاعر الأمة وسلطان العشاق أبي حفص ابن الفارض رضي الله تعالى عنه:


وإذا ذكرتكمُ أميل كأنني



مِن طيب ذكركم سقيت الراحا



وفي "نجاة الأرواح وكنز الفتوح" للعلامة العارف، المحدث المسند؛ أبي الحسن علي بن عبد البر الونائي، لدى ذكره آداب الذكر: وأن يكون بقوة تامة، فيهتز بلا تكسر من قرنه إلى أصابع قديمه".اهـ منه.

وعليه؛ فإن كان مرادُ صاحب "الإبريز" بالحضرة: التمايل فقط؛ لم يصح قوله: "وإنما ظهرت الحضرة في القرن الرابع". قال: وسببها: أن أربعة أو خمسة من الأولياء كان لهم أتباع، وكانوا في بعض الأحيان ربما شاهدوا ملائكة يذكرون الله تعالى"..

قال: "ومن الملائكة من يذكر الله بلسانه وبذاته كلِّها، فترى ذاته تتحرك يمينا وشمالا، وتتحرك أماما وخلفا، فكان الولي من هذه الخمسة إذا شهد ملكا على هذه الحالة؛ تعجبه حالته، فتتأثر ذاته بالحالة التي يشهدها من الملك، ثم تتكيف ذاته بحركة الملَك، فتتحرك ذاته كما تتحرك ذات الملك، وهو لا شعور له بما يصدر منه لغيبته في مشاهدته تعالى. ولا شك في ضعف صاحبه، فكان إذا رآه أتباعُه تبعوه. ثم مات الأشياخ الخمسة، فاشتغل أهل الزي الظاهر بالحضرة. وزادوا في [52] حركتها"... لأمور:

أحدها: قوله: "وإنما ظهرت في القرن الرابع". فيه نظر، بل ظهرت في زمان أصحاب مولانا رسول الله e.

[قصة رقص الإمام الجنيد مع صحبه بجبل الطور]:

وفي آخر الوصايا من "الفتوحات المكية"([19]) لأعرف الكبراء، وكبير العلماء؛ الشيخ محيي الدين ابن عربي قُدِّس سره العاطر: "حدثنا الزكي أحمد بن مسعود بن شداد المقري الموصلي بالموصل، سنة إحدى وستمائة، وكان ثقة، قال: حدثنا أبو جعفر بن القاضي[20]، قال: حدثنا يوسف بن القاسم الدياربكري، حدثنا جمال الإسلام أبو الحسن علي بن أحمد القرشي الهكّاري حدثنا أبو الحسن الكرخي، حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الفضل النهاوندي، قال: سمعت شيخي محمد بن الخلدي يقول: كنت مع الجنيد رحمه الله في طريق الحجاز حتى صرنا إلى جبل طور سيناء، فصعده الجنيد وصعدنا معه، فلما وقفنا في الموقف الذي أُوقِفَ فيه موسى عليه الصلاة والسلام؛ وقعت علينا هيبة المكان، وكان معنا قوّال، فأشار إليه الجنيد أن يقول، فقال:


وبدا له مِن بعدما اندمَل الهوى
يبدو كحاشية الرداء ودونَه
فبدا لِيَنْظُرَ كيف لاح، فلم يُطق
فالنارُ: ما اشتملتْ عليه ضلوعُه



برقٌ تألّق مُوهنًا لمعانُه
صعْبُ الذُرى متمنعٌ أركانُه
نظرًا إليه وصدَه سبحانه
والماءُ: ما سمحتْ به أجفانه



قال: "فتواجد الجنيد وتواجدنا معه، فلم يدر أحدٌ منا أفي السماء نحن أو في الأرض. وكان بالقرب منا ديْر فيه راهب، فنادانا: يا أمة محمد، بالله أجيبوني!. فلم يلتفت أحد إليه، لطيب الوقت. فنادانا الثانية: بدين الحنفية إلا أجبتموني، فلم يجبه أحد منا. فنادانا الثالثة: بمعبودِكم إلا أجبتموني. فلم يرد عليه أحد جوابا".

"فلما فترنا من السماع وهَمَّ الجنيدُ بالنزول، قلنا له: إن هذا الراهب نادانا وأقسم علينا ولم نرد عليه. فقال الجنيد: ارجعوا بنا إليه لعل الله أن يهديه للإسلام. فناديناه، فنزل إلينا وسلم علينا، فقال: أيما منكم الأستاذ؟. فقال الجنيد: هؤلاء كلهم سادات وأستاذون. فقال: لا بد أن يكون واحدٌ هو أكبرهم. فأشاروا إلى الجنيد".

فقال:" أخبرني عن هذا الذي فعلتموه [54]؛ هل هو مخصوص في دينكم أم معموم؟. فقال: بل مخصوص. فقال الراهب: لأقوامٍ مخصوصين أو مبذولٌٌ حتى للعموم؟. فقال: بل لأقوام مخصوصين. فقال: بأي نية يقومون؟. فقال: بنية الرجاء والفرح بالله تعالى. فقال: فبأي نية تسمعون؟. فقال: بنية السماع من الله تعالى. فقال: بأي نية تصيحون؟. فقال: بنية إجابة العبودية للربوبية لما قال الله تعالى للأرواح: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}. [الأعراف/ 172]، قال: فما هذا الصوت؟. قال: نداء أزلي. قال: فبأي نية تقعدون؟. قال: بنية الخوف من الله تعالى. قال: صدقت!".

ثم قال الراهبُ للجنيد: "مُدَّ يدك؛ أنا أشهد أن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا e عبده ورسوله. وأسلم الراهب وحسن إسلامه. فقال له الجنيد: بم عرفت أني صادق؟. قال: لأني قرأت في الإنجيل المنزل على المسيح بن مريم: خواص أمة محمد e يلبسون الخرقة، ويأكلون الكسرة، ويرضون بالبلغة، ويقومون في صفاء أوقاتهم بالله يفرحون، وإليه يشتاقون، وفيه يتواجدون، وإليه يرغبون ومنه يرهبون. فبقي الراهب معنا ثلاثة أيام ثم مات رحمه الله تعالى".اهـ.


([1] ) 2/295.


([2] ) في النسخة "والله".


([3] ) عن عبد الرحمن بن السائب قال: "قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره، فسلمت عليه، فقال: من أنت؟. فأخبرته، فقال: مرحبا بابن أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا".رواه ابن ماجه في "سننه" 1/424 ح 1337 .


([4] ) الأثر سبق تخريجه.


([5] ) أي فتنازعوا، قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/310: وإذا تَشَاحَّ القوْمُ على أمر قيل: انْتَحَرُوا عليه من شِدَّةِ حِرْصِهِمْ.


([6] ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جمدان، فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟. قال الذاكرون الله كثيرا". رواه مسلم 4/2062 ح 2676 واللفظ له، والترمذي 5/577 ح 3596 ولفظه: "يا رسول الله؛ وما المفردون؟. قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون الله يوم القيامة خفافا". قلت: قال النووي في "شرح صحيح مسلم" 17/4: "وجاء فى رواية: هم الذين اهتزوا في ذكر الله. أي: لهجوا به".


([7] ) 4/2062 ح 2676.


([8] ) ص 165


([9] ) ص 212.


([10] ) 2/305.


([11] ) في النسخة المعتمدة: "منقول" وهو سبق قلم.


([12] ) سبق تخريجه.


([13] ) في "القاموس المحيط" 1/409: "ماد يميد ميدا وميدانا: تحرك وزاغ وزكا".


([14] ) وهذا الأثر أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" 1/76 وأبو الشيخ في كتاب "العظمة" 2/475.


([15] ) 1/76.


([16] ) رواه الترمذي في "سننه" 5/44 ح 2676 عن العرباض بن سارية، قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح".


([17] ) قال الحافظ في "التلخيص الحبير" 4/190: "حديث: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. عبدُ بن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي، عن نافع، عن ابن عمر. وحمزة ضعيف جدا. ورواه الدارقطني في "غرائب مالك" من طريق جميل بن زيد، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر. وجميل لا يعرف، ولا أصل له في حديث مالك ولا من فوقه. وذكره البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمى، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وعبد الرحيم كذاب. ومن حديث أنس أيضا وإسناده واهي. ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" له من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وفي إسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشمي وهو كذاب. ورواه أبو ذر الهروي في كتاب "السنة" من حديث مندل، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، منقطعا. وهو في غاية الضعف. قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم".


([18] ) ص 39، حيث قال الشعراني: وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين فهو صحيح عند أهل الكشف.


([19] ) 8/298.


([20] ) في المطبوعة من "الفتوحات" القاص.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:05

[لا يشترط الزهد في الدنيا من أجل الرقص والسماع]:

قال بعض الفضلاء: "فإن قلت: وقع في هذه الحكاية لجواز السماع والرقص اشتراطُ الزهد في الدنيا، فما بال من لم نره زاهدا يفعل المشروط بدون شرطه؟".

والجواب: أن هذه الطائفة على ثلاثة أقسام: فالقسم الأول منهم: وهم التاركون للدنيا اختيارا، لا إشكال في جواز سماعهم ورقصهم، ولا يُعبأ بمن اعترض عليهم. وما عدى هذا من القسمين الباقيين؛ فهم متواجدون كي يجدون ويتحركون، لعلهم يرزقون، ممثلين أمره e حيث قال: "اقرؤوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا"([1]).

والمنكرون لذلك: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه}. [غافر/ 56]، الذي تولى كبره منهم هم: الزائغون فيهم بسوء الاعتقاد، الذين إذا ذُكر معنى لطيف في آية أو حديث لم يكن طرق سمعَهم قط أنكروه، {سيجزيهم وصفهم بما كانوا يعملون} [الأنعام/139]، {ولا تقف ماليس لك به علم}. [الإسراء/ 36]، {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. [النحل/ 34]. قال تعالى: {وإن لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم}. [الأحقاف/ 11]، {وما منا إلا له مقام معلوم}. [الصافات/ 124]، وكل يقف عند حده حتى: {يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده} [55]. [المائدة/ 52]، و: "من تقرب إلى الله شبرا تقرب الله منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة"([2]) وسبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.اهـ

[يكفي في الفضل الاقتداء بالملائكة والصحابة]:

ثانيها: قوله: "إن أربعة...الخ"، ساداتنا هم الذين سنوا التمايل لأصحابهم فقط، فقد تقدم أن ساداتنا الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين سنوا لنا ذلك لا غيرهم. والناقل أمين ثقة حافظ؛ وهو: الإمام أبو نُعيم – بالتصغير - أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ المكثر، أخذ عن الطبراني وغيره، وعنه الخطيبُ وغيره، مات بأصبهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة. قالوا: "لما صنف كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" بيع في حياته بأربعمائة دينار".

على أنه يكفينا دليلا على مشروعية التمايل: فعلُ الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وصدورُه منهم؛ لأن الله وصفهم بقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}. [التحريم/ 6]، فتمايلهم بإذن من الله تعالى وبأمره، والله يقول: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربي بالقسط}. [الأعراف/ 28-29].

وفي الحديث: "من تشبه بقوم فهو منهم". أخرجه أبو داود([3]) عن ابن عمر بسند جيد([4])، والطبراني في "الأوسط"([5]) عن حذيفة بإسناد حسن. قال المناوي([6]): "أي: من تزيا في ظاهره بزي الصالحين، فهو من أتباعهم، يُكرم بما به يُكرمون".اهـ.

وإن لم يكن ساداتنا الملائكة المعصومون المحفوظون من الذين أُمرنا بالتشبه بهم؛ لم يبق أحد يُتَشَبَّه به، لأنه إذا كنا نتشبه بالأولياء الذين لم تثبت لهم العصمة؛ فالملائكة أولى وأحرى.

وتأكد ذلك وتَقَوَّى حيث ثبت - أيضا - عن أصحاب مولانا رسول الله e. فنفعله تشبها بملائكة ربنا، ثم بأصحاب نبينا e.

[التمايل والتأثر في الذكر ليس من علامات الضعف]:

ثالثها: قوله: "ولاشك في ضعف صاحبه"...لا يُسَلَّم.

أما أولا: فإن الضعف نقص، إما من المريد وإما من الشيخ، ولا أكمل من النبي e، ثم لا أكمل من الصحابة والملائكة الكرام عليهم السلام.

وأما ثانيا: فإن التمايل صدر من الملائكة. وقد أخبر الله عنهم أنهم: لا يصدر منهم شيء إلا إذا أمرهم الله به، لقوله: {ويفعلون ما يؤمرون}. [التحريم/ 6]، وصدر - أيضا - من أصحاب النبي e. وقد حضنا [56] الشارع e على التأسي بهم والاقتداء بهم كما تقدم.

فكل من رأيناه يفعل ما فعله ملائكة ربنا وأصحاب نبينا، نشهد له بالقوة التامة والصحو التام. ويصح لنا الاقتداء به؛ لأنه كامل.

وإذا أثبت القوةَ في الجهتين تاج الدين ابن عطاء الله رضي الله عنه في حِكمه لمطلق الأولياء، حيث قال: "وأكملُ منه: عبد شرب فازداد صحوا، وغاب فازداد حضورا، فلا جمعُه يحجُبُه عن فَرْقه، ولا فرقه يحجبه عن جمعه، يعطي لكل ذي حق حقه، ويوفي كلَّ ذي قسط قسطه".

فما بالك بمن فوقهم، فما بالك بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فهُم بذلك أحرى!.

وقد قيل لأبي السعود ابن الشبل، عارف زمانه: "ما تقول في المجانين من أهل الغلبة؟". فقال رضي الله عنه: "مِلاح، والعقلاء أملح منهم!". اهـ. ولاشك أن الكمال هو: ما كان عليه أصحابه e.



[الكمال في اتباع النبي e والصحابة لا في الابتداع والتنطع]:

وإن كان مرادُ صاحب "الإبريز": إنكارَ الرقص زيادة على إنكار التمايل؛ ففيه نظر؛ لأن من أنكر الرقص؛ فهو محجوج بتشريعه e لأمته، لأن الشرع هو: أمره وفعله وإقراره.

وقد ثبت الرقصُ - كما سبق - بالإقرار والإغراء، كما سلم ذلك الحفاظ وأئمة المالكية الذين عليهم المعتمد في المذهب المالكي، وقالوا بموجبه وبمضمونه. فالإنكار إنما يكون على من أنكره ونفاه من الشريعة المحمدية، والاعتراض الحقيقي إنما يليق بمن أنكر ما أقرته الحضرة الأحمدية عليها من ربها أزكى السلام والتحية.

ومما يعده قومٌ من مبالغات الإمام أبي العباس الغزالي وقومٌ من إنصافه: قوله في "بوارق الإلماع": "من قال: إن حضور السماع وحضورَ ضرب الدف وحضورَ الرقص حرام؛ قال: إن النبي e فعل الحرام وأمر بالحرام. ومن اختلج ذلك في صدره؛ كفر بالاتفاق". اهـ منه بلفظه.

ورضي الله تعالى عن سيدنا سفيان الثوري حيث يقول: "النبي e هو الميزان الأعظم، فتعرَضُ الأشياء على خُلقه وهديه وسيرته، فما وافقها فهو المعمول به والمعوَّل عليه، وما خالف ذلك فهو الباطل والضلال".اهـ منه بلفظه، بنقل العلامة المناوي على "الشمائل".

ورضي الله - أيضا - على الإمام الشاطبي حيث يقول([7]): "الواجب علينا أن لا نقف في الاقتداء بمن يمتنع [57] عليه الخطأ، وأن نقف في الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ماجاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه؛ قبلناه، وما لم يقبلاه؛ تركناه، وبذلك أوصى شيوخ الصوفية، وأن ما جاء به الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم؛ يُعرض على الكتاب والسنة، فإن قبلاه؛ قبلناه، وإلا؛ لم يصح".اهـ.

ثم قال بعد كلام: "فوجب - بحسب الجريان على رأيهم في السلوك - أن لا نعمل بما رسموه بما فيه معارضة لأدلة الشرع، ونكون بذلك متبعين لآثارهم، ومهتدين بأنوارهم، خلافا لمن يُعرض عن الأدلة، ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم. فالأدلة الشرعية والأنظار الفقهية والرسوم الصوفية تذمُّه وترده، وتحمدًُ من تحرّى أو احتاط وتوقف عن الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه".اهـ



قال العارف بالله سيدي زروقبعد نقله هذا الكلام في "عُدة المريد": "وهو من مكنون العلم".اهـ ونقله في "مفتاح الشفا"( في مبحث فضل الصحابة. فانظره. وكذا العلامة ابن زكري على "النصيحة" مطولا.

وقد نص الشيخ الأكبر على أن: الكشف قد يقع فيه الخطأ، كما نقله عنه الشعراني في "مننه"([8]) وفي "مفتاح الشفا"، فانظرهما.

وقد أخرج البخاري([9]) عن عائشة قالت: "صنع النبي e وعلى آله شيئا فرخص([10]) فيه وتنزه عنه قوم، فبلع ذلك النبي e، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو الله إني لأعلمُهم بالله وأشدُّهم له خشية!".

وأخرج ابن عساكر([11]) عن ابن عمر مرفوعا: "إنما أهلك الله الذين من قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم". وفي الحديث([12]): "من أخذ بسنتي فهو مني، ومن رغب عن سنتي فليس مني".

والذي يجب أن يُعتقد: أن كلَّ من أنكر الرقص؛ لم يبلغه حديثه، أو بلغه وذهل عنه، والكمال إنما هو لصاحب الكمال. وإلا؛ فلا يسع أحدا إنكاره بعد أن بلغه دليله؛ فلذا اختلفت آراء الصوفية فيه، فأحرى غيرهُم.

ورضي الله عن العارف الكبير سيدي عبد الرحمن الشامي الأنصاري حيث يقول في كتابه "كشف الأسرار": "من الأولياء - رضوان الله تعالى عنهم - من يحب الحضرة، ومنهم من لا يقبلها وينكر على أهلها [58]، ومنهم من يشطح على الحضرة ويتحير عليها من أهل السنة وغيرهم، ومنهم من لا يسمع الآلة – يعني: الموسِقة - أيضا ولا يقبلها، وينكر على أهلها وعلى من يسمعها، ومنهم من يحب أن يسمع الآلة – يعني: على الموسِقة - ولكن في الحلال لا في الحرام".اهـ منه بلفظه.

[الجواب عن ادعاء نسخ حديث لعب الحبشة في المسجد النبوي]

فإن قلت: ادعى جماعة([13]) من العلماء – كاللخمي، وعياض، وابن عرفة..وغيرهم – أن لعب الحبشة بحرابهم في المسجد منسوخ، وقالوا: "إن ذلك كان قبل أن تنزه المساجد عن ذلك".

فالجواب والله الموفق للصواب: لا تنظر لمن قال، وانظر إلى ما قال. إن النسخ مردود من وجوه:



[رقص الحبشة كان عبادة وقربة لا لعبا]:

أحدها: أن هذا الأمر الذي ادُّعِى فيه أنه لعب غير صحيح، بل هو من الدين، لأن ذلك الفعل الذي كانوا يفعلونه ساداتنا الحبشة رضوان الله تعالى عليهم بحضرة النبي e، وفي مسجده الكريم، وهو - وإن كان بحسب الظاهر لعبا - فهو عندهم عبادة كبيرة، وقربة عظيمة.

خصوصا وقد سبق عن "مسند" أحمد([14]) أنهم: كانوا يرقصون ويقولون: "محمد عبد صالح". فقال e: "ما يقولون؟". فقالوا: "يقولون: محمد عبد صالح".

فإنه لا يعقل أن يكون ذلك محض لعب مع ذكرهم اسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله أثناء اللعب. إذ ذكرُ اسمه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله ينبغي أن يكون وقت الجد والتقرب لا وقت اللعب والهزل، فيتعين أن من سمى فعلهم المذكورَ لعبا فقد تَمَجَّز، وإلا؛ فلا يتصور منهم - رضي الله عنهم - اللعب مع جريان اسمه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله قطعا، وخصوصا في بيوت أذن الله أن تُرفع، وخصوصا في([15]) حضرته العظيمة. وقد كره الفقهاء التسبيح وغيره عند التعجب([16])، فكذلك هنا. فتأمله.

ثم وجدتُ الإمامَ ابن حجر الهيتمي صرح في "فتاواه الفقهية"([17]) بقوله لما سئل عن الرقص، ما نصه: "ويجوز الرقص، بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله e، ولم ينكر عليهم، وكان رقصُهم بالوثبات والوجد، وحصل لعمر وجد حتى غاب عن إدراكه".اهـ.

فقف على إثباته أن رقص الحبشة كان بِوَجْد، فثبت المدعى، فظهر أن ذلك الفعل من صحابة الحبشة كان عبادة، لأنه سعى في أمر يحبه الله، ولا شك أن من فعل شيئا يحبه الله وأتى أمرا يرضي الله يكون في عبادة، وإذا كان من الدين؛ فكيف تنزه المساجد الكريمة عنه؟.

وفي الحديث([18]): "ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أفعله؟، فوالله إني لأعرَفكم بالله، وأشدُّكم له خشية". وقد تقدم.

ويأتي - إن شاء الله تعالى - أن إقراره [59] e وعلى آله لشيء: فعلٌ منه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله لذلك الشيء؛ لأن ترك إنكاره صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله شيئا بحضرته صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله فعلٌ منه e وعلى آله. لأن التُّروك من الأفعال كما تقرر عند أهل الأصول، وتأتي نصوصهم بحول الله تعالى.

[لا تنطبق شروط النسخ على هذا الحديث]:

ثانيها: الرجوع إلى أرباب الفن بما يثبت عندهم النسخ. قال في "جمع الجوامع"([19]) ما نصه: خاتمة للنسخ: يتعين الناسخ – أي: للشيء – بتأخره – أي: عنه – وطريق العلم بتأخره: الإجماع، أو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله: هذا ناسخ، أو: هذا بعد ذلك. أو: كنت نهيت عن كذا فافعلوه. أو القصر على خلاف الأول، أو قول الراوي: هذا سابق".اهـ. ولا دليل يثبت لنسخ هذا الفعل، فلا يقبل النسخ بغير حجة.

قال الإسماعيلي: "لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنصِِّ مثلِه، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته".اهـ نقله في "الفتح"([20]).

[عمل الأئمة على عدم نسخ حديث الحبشة]:

ثالثها: أن أكابر المحدثين ترجموا لقضية لعب الحبشة في المسجد النبوي، وأخذوا منها أحكاما جمة وشرائع كثيرة. فيؤخذ من كلامهم أن ذلك غيرُ منسوخ.

منهم: الإمام البخاري في "الصحيح"([21])، في كتاب الصلاة حيث قال: "باب أصحاب الحراب في المسجد". قال القسطلاني رحمه الله([22]): "باب جواز...".

ثم أسند([23]) إلى عائشة رضي الله عنها قالت: "لقد رأيتُ رسول الله e يستُرُني بردائه أنظرُ إلى لعبهم بحرابهم".

ومنهم: الإمام مسلم في كتاب العيدين([24])، ثم أسند حديثه إلى عائشة أنها قالت: "والله لقد رأيت رسول الله e يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله e وعلى آله، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم، ثم لا يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف. ثم يقول: اقدروا قدرَ الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو"([25]).

وقال الإمام النووي رحمه الله ما نصه([26]): "فيه جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد، ويلتحق به ما في معناه من أنواع البر...وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله: دونكم بني أَرْفدة. هو بفتح الهمزة وسكون الراء ويقال [60] بفتح الفاء وكسرها وجهان حكاهما القاضي عياض وغيره. ولكن الكسر أشهر، وهو: لقب الحبشة. ولفظة: دونكم. من ألفاظ الإغراء، وحذف المغرى عليه تقديره: عليكم بهذا اللعب الذي أنتم عليه".

"وقوله: يزفنون. هو بفتح الياء وإسكان الزاي وكسر الفاء، ومعناه: يرقصون. وحمله العلماء على التوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الراقص، لأن معظم الروايات إنما فيها لعبهم بحرابهم. فيتأول هذه على موافقة سائر الروايات".اهـ منه بلفظه.

وجميع من تكلم على مسلم كله سلم الاستدلال به؛ ففي "إكمال الإكمال" للأُبِّي ما نصه([27]): "قوله: يزفنون. النووي: حمله العلماء على التوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم ليوافق ما في غير هذا من لفظ: يلعبون بحرابهم".اهـ منه بلفظه.

أقول: وبعد كتبي هذا؛ وجدت الحافظ في "الفتح" اعترض النسخ في كتاب الصلاة في باب أصحاب الحراب في المسجد، ولفظه([28]): "حكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة. أما القرآن؛ بقوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع}. [النور/ 36]. أما السنة؛ بحديث: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم([29]). وتُعُقِّب بأن الحديث ضعيف([30])، وليس فيه ولا في الآية تصريحٌ بما ادعاه، ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ".

"وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم: كان خارج المسجد، وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك؛ فإنه خلاف ما صرّح به في طرُق هذا الحديث، وفي بعضها: أن عمرَ أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبي e: دعهم".

"واللعب بالحراب ليس لعبًا مجردا، بل فيه تدريبُ الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد. وقال المهلب: المسجد موضع لأمن جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعةً الدين وأهله؛ جاز فيه. وفي الحديث جواز النظر إلى اللعب المباح".اهـ منه بلفظه. ومثله للعلامة العيني في شرحه المسمى بـ: "عمدة القاري على صحيح البخاري"([31]).

[الجواب عن دعوى أن رقص الحبشة إنما كان تدربا على الحرب] :

فإن قلت: ما استدللتَ به على جواز الرقص لرقص الحبشة بين يديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله يظهر من كلام جماعة من العلماء أنه إنما شُرع بقصد التمرن على الكر والفر.

قلت: الجواب عليه من وجوه:

أحدها: أن ذلك - وإن فُهم من كلام من ذكر - ولكن قد وقع استدلال جماعة من حفاظ الإسلام وأئمة الأعلام بحديثهم - أيضا [61] - على جواز رقص الصوفية المعروف؛ كأبي العباس الغزالي، والقاضي عياض، والإمام المواق، والحافظ جلال الدين الأسيوطي، والإمام ابن حجر المكي، والحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي، وأبي العباس ابن عرضون([32])، والشيخ ابن ليون التجيبي، وأبي القاسم ابن خجو...وغيرهم من الأكابر...وناهيك بهؤلاء جلالة وعلما.

وفي حاشية خاتمة المحققين، شيخ المالكية بالديار المصرية؛ أبي عبد الله محمد الأمير الكبير الأزهري على "شرح الزرقاني" على "المختصر"([33]): "إن الرقص اختلف فيه الفقهاء؛ فذهبت([34]) طائفة إلى الكراهة؛ منهم: القفّال، وذهبت طائفة إلى الإباحة؛ منهم: إمامُ الحرمين، والعماد، والسهروردي، والغزالي. واحتجوا بما روته عائشة في "الصحيح" من رقص الحبشة يوم عيد، وأن زيدا وجعفر وعليا حجلوا".اهـ منها بواسطة.

[التمرن على الجهاد الأكبر أولى منه في الجهاد الأصغر]:

ثانيها: أنه على فرض أن رقصهم كان بقصد التمرن على الجهاد الأصغر الذي نتيجته دخول جنة الزخارف؛ ففي الأكبر الذي نتيجته دخول جنة المعارف أحرى وأولى. إذ رآه شيوخ الطريقة الذين جمعوا بين الشريعة والحقيقة. كذلك ومن المُشَاهَد والمعقول أنه: لا أثقل على النفس من الذكر، خصوصا بالرقص، فإنه يثقل عليها جدا، ولا شك أنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا!.

وفي فتاوى شيخ المالكية بالديار المصرية؛ شيخنا أبي عبد الله الشيخ محمد عليّش([35]) المالكي المصري في "مسائل العقائد" نقلا عن شيخ مشايخه العلامة الأمير ما نصه: "واغتفَر القومُ هزَّ الجسم بالذكر والإنشاد، إعانة على المجاهدة".اهـ منه باللفظ.


([1] ) سبق تخريجه.


([2] ) رواه البخاري في "صحيحه" 6/2694 ح 6970، ومسلم في "صحيحه" 4/2061 ح 2675 كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.


([3] ) في "سننه" 4/44 ح 4031.


([4] ) قال العظيم آبادي في "عون المعبود" 11/52: "قال السخاوي: فيه ضعف لكن له شواهد، وقال ابن تيمية: سنده جيد، وقال ابن حجر: في "الفتح": سنده حسن".


([5] ) 8/179.


([6] ) في "فيض القدير" 6/104 بتصرف من المؤلف رحمه الله.


([7] ) "الاعتصام" 1/217 وما بعدها.


([8] ) في عدة مواضع منها ص 109.


([9] ) 5/2263 ح 5750.


([10] ) في النسخة المعتمدة "ترخص".


([11] ) لم أجده في "تاريخ دمشق" لابن عساكر ولكن وجدته عند الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة 2/456 وعنه الطبراني في "المعجم الأوسط" 3/135.


([12] ) أخرجه ابن جرير في "التفسير" 7/10 عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}. قال: "نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان. قالوا: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لكني أصوم أفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني!". وأصله عند البخاري ومسلم.


([13] ) ذكره عنهم ابن التين كما في "نيل الأوطار" 6/256.


([14] ) 3/152.


([15] ) في النسخة المعتمدة زيادة لفظة "على".


([16] ) أي: من المالكية، قال في "الفواكه الدواني" 2/ 359: "ومثلها: التسبيح والتكبير عند كل عمل محرم، وتكره عند التعجب والذبح والعطاء، وعند البيع وفي الحمام وفي الخلال وعند الجماع، وكذا كل موضع قذر ممن نص على كراهة الصلاة عند التعجب".اهـ. قلت: وقال غيرهم بالجواز؛ ففي "شرح النووي على صحيح مسلم"4/14: "قد قدمنا أن: سبحان الله في هذا الموضع وأمثاله يراد بها التعجب، وكذا لا اله إلا الله، ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر. وفي هذا جواز التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه، وكذلك يجوز عند التثبت على الشيء والتذكر به".اهـ.


([17] ).2/12


([18] ) أخرجه البخاري في "صحيحه" 5/2263 ح 5750، عن عائشة رضي الله عنها.


([19] ) ص61.


([20] ) 7/304.


([21] ) 1/173.


([22] ) "عمدة القاري" 4/220.


([23] ) أي: الإمام البخاري رحمه الله تعالى.


([24] ) "صحيح مسلم" كتاب صلاة العيدين 2/601.


([25] ) هذه الزيادة ليست من رواية مسلم بل هي في رواية البخاري في "صحيحه" 5/2006 .


([26] ) "المنهاج" للنووي 6/184.


([27] ) 3/43.


([28] ) 1/549.


([29] ) "سنن ابن ماجه" 1/247 ح 750 عن واثلة بن الأسقع.


([30] ) قال العجلوني في "كشف الخفا"1/334: "جنبوا مساجدكم صبيانكم: قال البزار: لا أصل له. وتعقبه في "المقاصد" بأن ابن ماجه رواه مطولا عن واثلة رفعه بلفظ: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم ،وسل سيوفكم. واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع. وسنده ضعيف".


([31] ) 6/271 وما بعدها.


([32] ) أحمد بن الحسن بن يوسف، أبو العباس بن عرضون: قاض، من فقهاء المالكية مغربي من أهل شفشاون، له كتب، منها: "اللائق لعلم الوثائق" ، و "آداب الزواج وتربية الولدان"، توفي سنة 992 هـ، له ترجمة في "سلوة الأنفاس"2/268 و"الأعلام" للزركلي 1/112.


([33] ) 2/12.


([34] ) في النسخة الحجرية "فذهب".


([35] ) محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله: فقيه، من أعيان المالكية. مغربي الأصل، من أهل طرابلس الغرب. ولد بالقاهرة وتعلم في الأزهر، وولي مشيخة المالكية فيه. من تصانيفه: "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" جزآن، وهو مجموع فتاويه، و"منح الجليل على مختصر خليل"، و"هداية السالك" حاشية على الشرح الصغير للدردير، جزآن....انظر "الأعلام" للزركلي 6/19.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:06

[الرقص بنية التقرب لله تعالى من أعظم القربات]:

ثالثها: تقدم أن الرقص له أصول من الكتاب والسنة، فهو يُقصد بحيث لو فعله من قصد به التقرب إلى الله تعالى كان من أفضل القرُبات وأعظم المثوبات، حتى نص الإمام الشعراني في "سراج المريدين" على أن: عمارة واحدة بشروطها وآدابها تقوم مقام رياضة ثلاثين سنة بصيامها وقيامها!.

وفي "مقنع المحتاج" للعلامة أبي العباس سيدي أحمد بن الحسن ابن عرضون، لمَّا تكلم على آداب الذاكر ونتائج حِلقه، في الأدب السابع عشر، وهو: سكوته باختياره بعد الذكر متلقيا لوارد الذِكر لعله يرد عليه، قال ما نصه: "لعله يُعمِر له وجودَه في لحظة ما لا تُعمره المجاهدة والرياضة في ثلاثين سنة، قاله الشيخ أبو يعقوب سيدي يوسف العجمي رحمه الله تعالى".اهـ. فعلى [62] هذا؛ ما ذكره الشعراني مسبوق به لأئمة الطريق الذين قبله.

وقد أخبرني شيخ الجماعة، المحدثُ المسن العابد الخاشع؛ أبو العباس سيدي أحمد بناني التجاني - رحمه الله تعالى - أنه كان يَِجِدُ في العمارة ما لا يجده في عبادة الله تعالى ثلاثين سنة، وهذه طريق الوجدان والذوق.


فمن ذاق طعم شراب القوم يرويه



ومن دراه غدا بالروح يشريه



ونص شيخ المشايخ مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه على أن: عمارة واحدة تعدل بعبادة سبعين سنة. كما في رسائله.

ونص الشيخ الأشهر أبو العباس سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه على: أنها تعدل آلافا([1]) من السنين.

ولما ترجم صاحب "النفَس اليماني" لشيخه الولي العارف علي بن عمر القناوي المصري، ووصف حلقة الذكر عنده على مقتضى ما عُرف في الطريقة الخلوتية من الرقص والإنشاد وغيره، قال ما نصه: "ولقد ذكر لي سيدي العلامة عبد الله بن عمر الخليل قال: كنت في حضرة الذكر مع السيد المذكور وقت السَّحَر، فذُكر اللهُ عز وجل، فوقع في قلبي من النور ما كنت أشاهد معه، ما تستره الجدران من بيوت الجيران وغيرهم.

[من القواعد: البيان عند ورود الحاجة]:

رابعها: أن هذا غفلة عن إطلاق الشارع وعموم إقراره صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله، لأنه لو كان مراده صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله ذلك لنبههم على ذلك، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله كان يعلم من أمته أنهم يقتدون به في أفعاله وأقواله وتقريراته، لأن الله تعالى أمرهم بذلك.

ومن جملة ذلك: مشروعية الرقص، أخذا من قضية الحبشة، وحيث سكت عن ذلك صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله ولم ينبه عليه، علمنا أن ذلك القيد غيرُ مُسلَّم.

وقد قال الإمام الكبير أبو العباس الغزالي في "بوارق الإلماع"، بعد ذكر أحوال الرقص من حجل علي وجعفر رضي الله عنهما، ما نصه: "فإن قال المنكر: سلمنا جواز الحجل، فلِمَ قلتم بجواز التكثير منه؟. قلنا: وذلك أن الشيء المطلق إذا جاز بعضه ولم يرد النهي عن الباقي؛ دل على جوازه، إذ لو كان البعض الآخر على الحرمة؛ لوجب على النبي e بيانه، لقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس}. [النحل/ 44]. فلو كان التكثير حراما؛ لوجب عليه بيانه، ولما لم يتعرض لذلك؛ دل على إباحته".اهـ منه.

وقد نص الشيخ الأكبر في "الفتوحات المكية"([2]) على أن: أكابر الصحابة اعترضوا قولة سيدتنا عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها في حق خروج النساء إلى المساجد [63]: "لو علم e ما أحدثه النساء بعده صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله؛ لمنعهن من الخروج"...بما حاصله: أنه e علّمه الله علم الأولين والآخرين بلا شك ولا ريب، وإذا كان كذلك؛ فلا يقال فيه: "لو علم"!...فانظره.

ولما تمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء من الخروج مطلقا؛ رده الحافظ ابن حجر في "الفتح"([3]) بأنها: علقت الحكم على شرط لم يوجَد بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى...لمنع". فيقال لها: "لم يَرَ فيمنع". فاستمر الحكم. وأيضا: قد علم الله ما سيقع منهن فلم يمنعهن. نعم صلاتهنّ في بيوتهن أولى.

[الحبشة كانوا يرقصون فرحا بالنبي e ويذكرون اسمه الشريف]:

خامسها: قد تقدم عن المسند([4]) للإمام أحمد أن رقصهم كان فرحا بالنبي e، بدليل قولهم: "محمد عبد صالح".

ولفظه عن أنس قال: "كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله ويرقصون ويقولون: محمد عبد صالح".

وهذه كانت عادتهم خصوصا عند قدومه e وعلى آله من سفر. ففي "المسند"([5]) أيضا عن أنس قال: "لما قدم المدينةَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله؛ لعب الحبشة لقدومه بحرابهم فرحا بذلك".

وأخرج أيضا مرفوعا([6]): "يقوم غدا عليكم أقوام أرق قلوبا للإسلام منكم". قال: "فقدم الأشعريون؛ منهم: أبو موسى الأشعري، فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون ويقولون:


غدا نلقى الأحبة



محمدا وحزبه



فلما أن قدموا؛ تصافحوا، فكانوا هم أول من أحدث المصافحة".اهـ منه بلفظه.

[رد العلماء على الحافظ ابن حجر رده رقص الصوفية، ورجوعه عن الطعن فيهم]:

بقي أن الحافظ ابن حجر انتقد على مستنبطي دليل الرقص من حديث الحبشة، وقد انتقد كلامَه الشيوخُ. ولذا لما نقله العارف الفاسي في حواشي الصحيح عقبه بقوله ما نصه:

"وفي "الإحياء": إباحةُ الغناء والرقص والضرب بالدف…وغير ذلك في أوقات السرور مما يكون فيه الفرح مشروعا من قدوم غائب وزيارة إخوان ولقائهم واجتماعهم".اهـ.

وانظر ما كتبه صاحب "الفجر الساطع" على كلام الحافظ الذي أشرنا إليه، على أن الحافظ معلوم بالحدة في باب الإنكار على الصوفية.

ولذا قال المناوي في ترجمته من "طبقاته": "دأبُ ابن حجر، إذا ذُكر أحدا من الصوفية: أن لا يبقي ولا يذر".اهـ.

إلا أنه رجع عن ذلك إلى حبهم، واعتقاد خصوصيتهم، وصار من رؤوس طريقهم، كما أفاد [65] الشعراني. وذلك أنه: لما شرح أبياتا من تائية ابن الفارض وقدم شرحه للشيخ [أبي] مدين المصري ليكتب له عليها إجازة، فكتب على ظهرها:


سارتْ مُشَرِّقةً وسرتَ مُغَرِّبًا



شتان بين مُشرِّقٍ ومُغرِّب



ثم أرسل ذلك للحافظ. قال الشعراني: "فتنبه لأمر كان عنه غافلا، ثم أذعن، وصحب الشيخ سيدي مدين إلى أن مات". وحكى ذلك - أيضا - العلامة الرحلة الشيخ محمد بوراس الغريسي في رحلته.

فكلامه في الرقص مما يكون رجع عنه، وذلك أن الحافظ كان يقول آخر عمره: "احذروا من الإنكار، فإنه يوقع في العثار، وإن المنكر محروم، والمتعنت مذموم، والحق أحق أن يُتبع، والباطل عن هؤلاء الأئمة قد اندفع". وقال أيضا: "أقل عقوبة المنكر على الصالحين: أن يُحرم بركتهم".

ولنختتم هذا المبحث بحكاية ذكرها الإمام أبو سعيد النيسابوري في "حدائقه"([7]) قال: "حُكي أن العباس العباسي بدمشق - كان من أبناء مائة وسبع وعشرين، وكان قد حج على قدميه ثمانين حجة راكبا - قال: بتنا ليلة عند أبي عمر الصوفي بدمشق، فأخذنا في الرقص، فأنكر علينا أبو عمر، فلما أمسكنا؛ تركَنا ونام، فانتبه فزعا مرعوبا وقال: التوبة إلى الله ولا أعود".

"قلت له: ما الخبر؟!. قال: حملتني عيناي فإذا بأسوَد عظيم الخلق وبيده حربة، فقال لي: أَخْرجْ لسانك. فأخرجته، فوضع الحربة على لساني، وقال لي: تقول لأولياء الله وهم يرقصون إلى الجنة: اسكتوا؟. فأنا تائب وكل حاجة لكم مقضية!".


خاتمة: تشتمل على مهمتين:

الأولى: [بيان أن تقريراته عليه الصلاة والسلام وتروكه من الأفعال]:

قد تقرر عند أهل الأصول: أن الشريعة هي: أفعاله e وعلى آله وأقواله وتقريراته. ولا ريب أن الرقص آخر حظه من الثلاثة؛ فإنه تقدم أنه e وعلى آله أمره، بل وأمر به، حيث أغرى من فعله من الحبشة بقوله: "دونكم بني أرفدة"([8]).

قال الحافظ في "الفتح"([9]): "دون: من أسماء الأفعال، تدل على الأمر بالشيء المشار إليه".اهـ.

وكذا لو ادعى مدع أن الفعل النبوي يدل على ذلك؛ لما بعُد.

فإن قلت: كيف يدعَى أنه e وعلى آله فعل الرقص؟.

قلت: إنه قد تقرر عند أهل الأصول أن كفه e وعلى آله عن الإنكار يعد منه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله [65] فعلا.

قال المَحَلِّيُّ عقب قول السبكي في تعريف السنة: "وأفعاله". ما نصه([10]): "ومنها: تقريره، لأنه كف عن الإنكار، والكف فعل".اهـ، وسلمه المُحَشُّون.

زاد الكمال ابن أبي شريف ما نصه: "وعبارة الزركشي وأبي زرعة هنا: الكف فعل على المختار".اهـ.

وقال البرماوي في "نبذته" ما نصه: "ومن الفعل: تقريره مُكَلَّفا، ولو كافرا".اهـ.

وقال السكتاني: "ويندرج في الفعل: تقريره عليه الصلاة والسلام وسكوته، إذ لا يقر على باطل".اهـ.

وحيث نص هؤلاء الفحول على أن كفه e عن الإنكار فعلٌٌ منه e وعلى آله لذلك الشيء؛ حسن، وثبت المدعى.

وبالجملة؛ فهما فعلان:

أحدهما: صدر من غيره e، وهو: لعب الحبشة ورقصُهم، وهذا لم يصدر منه عليه الصلاة والسلام.

والثاني: فعلٌ صدر منه e، وهو: سكوته على ذلك الفعل وتقريرُه له، وكف نفسه الكريمة عن النهي عنه وعن إنكاره.

وأحد الفعلين([11]) متعلق بالآخر، والمتعلِّق غير المتعلَّق قطعا، وهذا كلام الأصوليين، ومرادُهم. وأيضا سكوته عليه السلام يدل على الجواز، وفعله غير التقرير يدل على الطلب في الجملة.

[الأصل في أفعاله e البدنية والعادية: القرب لله تعالى والتشريع للأمة]:

وقد نصوا - أيضا - على أن الأصل في أفعاله e البدنية والعادية هو: القربة بها إلى الله تعالى والتشريع لأمته.

قال المحقق أبو زرعة: "مذهب الشافعي على أن: الفعل المجرد منه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله يدل على الندب، بل قال جمع من أصحابه: يدل على الوجوب". نقله العلامة المناوي على "الشمائل"([12]) في: باب ما جاء في كُحله e.

ونصه: "وهذا من أدلة الشافعية على سُنية الكحل، واعتراضُ العصام عليه بأنه: إنما أمر به e لمصلحة البدن، حيث عقب الأمر به بقوله: فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر([13]). والأمر بالشيء ينفع البدن لا تثبت سنيته في غير محله؛ لأنه ثبت في عدة أخبار أنه: كان يكتحل بالإثمد([14])، والأصل في أفعاله: أنها للقربة والتشريع ما لم يدل دليل على خلافه. ثم نقل كلام أبي زرعة المتقدم".اهـ منه بلفظه.

فالحاصل؛ إن الرقص من قبيل الكف؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله كف عن إنكاره لما وقع بحضرته e وعلى آله، زيادةً على كونه e أمر به وأقره، فيدخل في فعله e الذي أمرنا بالاقتداء به واتباعِه والوقوف عنده.

وقد نص في "المعيار"([15]) من جواب للإمام العقباني في أول السفر الحادي عشر في "الجامع"، ونص المقصود منه: "وقال أبو موسى للنبي e: لو علمتُ أنك تسمعه؛ لحبّرتُه لك تحبيرا. تقريره e حكم شرعي".اهـ منه بلفظه.

وقد تقدم النقل عن ابن لب أنه قال ما نصه: "وهو التواجد عن وجد، لا يُسمع فيه نكير من الشرع".



المهمة الثانية: [ذكر جماعة من العلماء والأولياء الذين قالوا بجواز الرقص]:

يتحصل مما تقدم: أن نحو الأربعين من أكابر الأمة وفحول الأيمة [66] نصوا على جواز الرقص وإباحته.

وأما ما ذكره غيرُ واحد من أن مالكا - رضي الله عنه - سُئل عن جماعة من الصوفية يأكلون كثيرا ويشربون كثيرا ويرقصون كثيرًا. فقال رضي الله عنه: "أمجانين هم؟".

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "هذا استفهام إنكاري؛ فكأنه رضي الله عنه أنكر على السائل ذلك الظن السيء بهم، كأنه يقول: هذا إنما هو من فعل المجانين، يعني: وهم يتحاشون عن فعل ذلك مجردا عن وجه محمود يحملهم عليه، ويرغبهم في ذلك".

وتقدمت نصوص على أن جماعة من المالكية والحنفية قالوا: يجوز الرقص، وأفتوا به؛ ومنهم: صاحب "المعيار"، وشيخ الشيوخ أبو سعيد ابن لب، والإمام البلقيني، والإمام السُلمي، والإمام النيسابوري، وجلال الدين الأسيوطي، والعارف الفاسي، والفقيه سيدي ابن خجّو، والإمام الغزالي، وشارحه آخر الحفاظ بالديار المصرية، والغوث أبو مدين، والإمام السنوسي صاحب العقيدة.

والإمام التجيبي، والإمام المواق، والقاضي عياض، والحافظ ابن حجر الهيثمي، وعز الدين ابن عبد السلام، وإمام الحرمين، والسُهروردي، والبساطي، وابن عبد السلام المقدسي، والقشيري، والإمام الحلبي صاحب "السيرة الحلبية"، وصاحب "تاريخ الخميس"، والإمام الحرالّي، والحافظ أبو العباس سيدي أحمد ابن القطب سيدي يوسف الفاسي، ووالده سيدي يوسف، والإمام القصار، والفقيه سيدي أبو البركات البلّفيقي، والعلامة ابن زكري على "النصيحة".

والعلامة سيدي مَحمد بن عبد القادر الفاسي، والعارف بالله سيدي أحمد ابن عجيبة، والإمام الشاطبي، والأمير المصري، وشيخه الدردير، وشيخهما الحنفي، وتلميذهم الإمام الونائي، والعارف سيدي أحمد ابن سيدي بونة، وقال: "إنه ينبغي أن تُمحى تلك الأسطر التي فيها إنكارُ الرقص؛ لأنها ضلت كثيرا من الناس"...وغيرَهم من فحول الأئمة.

زيادة على الإجماع الذي نقله الإمام الشعراني وغيره رضي الله عن الجميع.

ولنقتصر على ما ذكرناه من الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية ونصوص كبار الأئمة، ونعقب ذلك بخاتمة، فنقول:


خاتمة: [في شروط وآداب الاجتماع على الذكر]

للاجتماع على الذكر - كما في "الإرشاد" - شروطٌ وآداب.

[شروط الاجتماع على الذكر]:

أما شروطه؛ فسبعة:

الأول: أن يكون حالُ الاجتماع مُصلحا لحال السالك، لما تدعو إليه الضرورة من ترويح النفس من ثقل المجاهدة وتنشيطها لما وراء ذلك. وحيث يكون الاجتماع [67] عائدا بضرر؛ مُنِع منه السالك؛ لأن رأس مال السالك: عبوديته، فكل ما يقدح في رأس ماله؛ ممنوع منه!.

الثاني: أن يكون في محل الاجتماع القدوةُ، أو من يقوم مقامه في ضبط أمور الجميع، وردِّهم إلى نظر واحد؛ لأن الأهواء إذا اختلفت صار عنها الفساد والشتات، ويصيرُ الاجتماعُ من الأمر المرغوب عنه، فإن حضر القدوة؛ كان، وإلا نَوَّب عنه من يقوم مقامه، ويرسم له سبيلا يحمل الجمع عليه لا يتعداه، ولا يخرج الجمعُ في ذلك عن نظره ورأيه.


([1] ) في النسخة المعتمدة "آلاف".


([2] ) 7/122


([3] ) 2/349.


([4] ) 3/152.


([5] ) 3/161.


([6] ) 3/105.


([7] ). ص 120


([8] ) تقدم تخريجه بتفصيل.


([9] ) لم أجده في "الفتح".


([10] ) ص 220 من شرح المحلي على "جمع الجوامع".


([11] ) في النسخة المعتمدة "الفعل".


([12] ) ص 208 بهامش شرح القاري


([13] ) أخرجه أبو داود في "سننه" 2/401 ح 3878 والترمذي في "سننه" 4/234 ح 1757 والنسائي في "الصغرى" 8/149 ح 5113 وابن ماجه في "سننه" 2/1175 ح 3497 كلهم عن ابن عباس رضي الله عنه.


([14] ) روى الترمذي في "سننه ح 1679 عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ e كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ.قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ نَحْوَهُ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ e قَال:َ عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ


([15] ) 11/52.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:07

تنبيه: [من آداب شيخ الحلقة]:

من شأن المُقدِم على هذا الصنف في الفتح والختام أن يفتتح بالتعوذ والبسملة والفاتحة، وما تيسر من القرآن، ولو سورة الإخلاص، والصلاة على النبي e وعلى آله، ليحصل الحضور.

ومن أدبه: ألا يعجل عليهم في الختم، خصوصا إذا رأى الذكر قد اشتبك، والأصوات قد توافقت، والأشواق قد تحركت. فليصبر على إخوانه حتى يعلمَ أنهم قد أخذوا حظهم من الذكر، ثم يختم حينئذ.

وأيضا: ينبغي أن لا يشدد عليهم إذا رآهم قد ملوا وغلب عليهم النعاس، وفيهم ذو حاجة، فالرفق بالإخوان محمود.

ومن آدابهم: أن كل من تقدم عليهم يقدمونه، ولا ينازعونه فيقفون عن السير، وينبغي لهم أن لا يتقدموا في بدء الفواتح وختمها على من قدموه أولا، وأن يوافقوه في ذكره ولا يخالفوه؛ لقوله عليه السلام: "إنما جُعل الإمام ليؤتَم به؛ فإن قام فقوموا، وإن جلس فاجلسوا"([1]).

ولا شك أن هذه الحالة تنتج سلب الإرادة، والخروج عن النظر، وليحذر من حب الرئاسة، فإن حب الرئاسة لا يخالط قلبًا إلا هلك.

الثالث: أن يُقَدِّم بين يدي الاجتماع قصدًا نافعا، فيقصد معاملة الله عز وجل بالانتظام مع صلحاء إخوانه، أي: يرحم بهم، ويرى أنهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسُهم، ومن قصد غير الله خاب سعيه وضاع عمله، وإذا غلب هذا القصد على باطنه؛ نفعه الله بالاجتماع مع أصحابه، وأعانه على لزوم الأدب معهم.

الرابع: أن لا يغلبه غلبةُ النوم على تضييع شيء من لوازمه وتقصير في فرائضه؛ لأن تُجار الآخرة يصونون رؤوس أموالهم [68] من الضياع، فكلما عارض السالكَ عارضٌ فاسد؛ تركه ومال إلى الأعلى.

الخامس: أن يكونوا صفا واحدا، يجمعهم طريق واحد؛ لأن الباطن يالف على مؤالفة الصنف، كما ينفر عن مؤالفة غير الصنف. فما يجمع القلوب محمود، كما أن ما يشتتها مذموم.

السادس: أن لا يمزجوا ما اجتمعوا عليه من الذكر لهوا ولا كلاما فيما لا يعني، ولا غير ذلك مما يدعو إلى الغفلة ويدعوا إلى الخسران. وقبيحٌ بأهل الطريق أن يمزجوا العبادة بالتقصير، ويخلطوا الذكر باللغو. ولتصعد صحائفهُم معمورةً بما ينالون([2]) به القرب، ويخرجون عن البعد، وتجارُ الآخرة طلاب الربح.

السابع: استصحاب الطهارة حتى يكون جميع ما يتلبسون به من أعمال الخير صادرًا عن أكمل الهيئات وأجمل الصفات.

وقد ورد أن النبي e وعلى آله قال([3]): "أكره أن أذكر اسم ربي على غير طهارة". ولا شك أن ذكر الله تعالى أولى ما استعد له بطهارة الظاهر والباطن.

[آداب الاجتماع على الذكر]:

وأما آداب الاجتماع على الذكر؛ فأكثر من أن تحصى، وقد عد بعضهم في ذلك ألف أدب، وأذكرُ هنا سبعة آداب، والله المستعان، وعليه التكلان:

الأول: أن يكون الاجتماعُ على الذكر ليْلا؛ لما في الليل من السر والخلوة، ولأنه محل المناجاة والعبادات، ومظان الإجابة والقبول. وقد امتدح الله قوما بذلك، فقال تعالى: {كانوا قليلا من اليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون}. [الذاريات/ 17، 18]. ومن كمال العبادة: أن يتحين لها الأوقات الفاضلة والأماكن الشريفة.

الثاني: أن لا ينام بين الحاضرين، وليجاهد نفسه على السهَر، فإن النوم بين الحاضرين مما يُكسلهم ويذهب بنشاطهم، مع ما في النوم من نقيض ما اجتمعوا عليه. ومن كان النوم غالبا عليه؛ فمنزلُه أولى له، وقد كان بعضهم يستحضر إناءً فيه ماءٌ ينضح به وجهَ من ينام.

الثالث: تحية الموضع المجتمَع فيه بركعتين أو أكثر عند دخولهم.

ثم إن كان القوم مجتمعين؛ انتظم معهم على ما هم بسبيله من ذكر أو صلاة أو مذاكرة، وإلا؛ توجه للقبلة ذاكرا في سبحته ليهيئ بذلك عمارة في باطنه، لما يُقدم عليه بعد ذلك من الأعمال.

الرابع: خديمٌ يقوم بوظائف خدمة القوم، يسقي لهم الماء لوضوئهم ولشربهم، ويقوِّم المصابيح ويصلح شأنها طول الليل [69]، ويخدم السِماط([4]) ويصلح النعال.

ولا يكون الخديم إلا مَن عَيَّنه القدوة لذلك ممن فيه أهلية، فإذا عينه خديما؛ فقد فاز بالسيادة؛ لقول النبي e: "خديمُ الجماعة سيدها"([5])، وينبغي أن يحفظ الجمعُ حقَّه، ويوجبوا له واجبه، فقد أثبت له صاحب النبوءة السيادة!.

الخامس: التزام الأدب مع ربه ومع الجمع.

أما أدبه مع ربه؛ فالتزام الوقار والسكون حال الذكر، حتى لا يظهر عليه من الأحوال إلا ما يغلبه، كالعطاس ونحوه مما لا يدوم. أما إذا كان كالسعال الدائم مثلا؛ فلا ينبغي أن يبقى في مكانه، فإذا عوفي؛ حضر.

ويستحفظ السالك من أن تظهر عليه حركة مشوبة بهوى نفس؛ فإن أكثر الأحوال لا تخلو من شائبة.

وليلزم التوقير حال الذكر؛ فإن جلال المذكور ينافي الأحوال الممتزجة، لما فيها من التلاعب، وليعلم أنه بين يديه عز وجل يناجيه، فليكرم المحاضرة، وليتأدب في المناجاة، ويعطي الذكر حقه من الأدب والسكون.

وأما أدبه مع إخوانه؛ فلا يتخطى رقابهم، ولا يقطع على أحد منهم كلامه، ولا يزاحمه ولا يشرب الماء قبل من طلبه، ولا يسيء بأحد منهم الظن، ولير صغير القوم كبيرا فيتبرك بهم وينتفع بمجالستهم، ويعظم في قلبه حرمتهم، فتحصل له الزيادة ويتقوى المدد، ولا يرى لنفسه على أحد منهم فضلا، ولا يوثر نفسَه بشيء من مَرافق المحل على أحد منهم.

السادس: أن يتصافحوا ويسلموا بعضهم على بعض، ويجلسون بعدما يتوضأ من له حاجة إلى الوضوء، ويشرب من له حاجة إليه، ثم يفتتحون الذكر بسورة من القرآن، ويهللون بكيفيات مختلفات تنشيطا للنفس دفعا لدواعي السآمة، وليكن إيرادُهم الذكر توسطا مابين الإخفاء والجهر، متوافقة أصواتهم، حاضرة قلوبهم، جائلة في معناه أفكارهم، شاخصة لرقْمه أعينُهم، حتى يتحقق معناه، ويبلغ الشوق منتهاه.

وليكن الذكرُ متوسطا بين الاستعجال والتطويل، والمد والترتيل، وليقيموا على ذلك مقدارا بحسب قوة الحاضرين، وليختموا بالصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله، ثم ليدعُ لهم إمامُهم ويمدَّهم بهمته.

فإذا فرغوا من الذكر؛ توجهوا إلى القبلة، ولْيُدِر كل واحد سبحته بما اتخذ عن شيخه من الأذكار.

السابع: أن يكون لهم سماط يجتمعون عليه، وقد ورد في وصف الصحابة أنهم: كانوا لا يفترقون إلا عن ذواق([6]).

ومِن أحسن ما يعملونه في [70] ذلك: أن يأتي كل أحد بما عنده ويخفُّ عليه من الطعام، ويرفعه للخديم على خفية من سائر القوم، فيجعل الخديم محلا يجمع فيه ما أسرَّ به الفقراء، حتى لا يعلم أحد بحال أحد فيما جاء به من قليل أو كثير، ولتذهب عنهم عِلة التنافس، ويختفي من لم يتيسر له شيء، ولتُرفعَ المؤنة في ذلك على صاحب المنزل.

فإذا كان وقت السماط؛ مده الخديم إليهم، فإذا أكلوا وفضلت فضلة؛ قسمها على ثلاثة: الثلث لصاحب المنزل على وجه البركة، وقسم الثلثين على ضعفاء الجمع بحسب حالهم.

فصل: [مقامات الذاكرين]:

وإذا تبين سبيل الاجتماع على الذكر؛ فالسالكون فيه باعتبار المقامات ثلاثة:

- رجل متعلق بالبداية، فهو آخذ في تقويم نفسه وإصلاح حاله، وربط نفسه بالمجاهدة وترييضها بإخراجها عن مألوفاتها، فهذا أصلح الأحوال له: استدامة الخلوة والمحافظة على أعمال السر والانقطاع والمجاهدة وترك الهوى، فهذا يكره أن يعوض عن حاله هذا ما يعود عليه بالفتور، ويفضي به إلى ضعف العزم والميل به إلى الراحة.

- ورجل أضغطته المجاهدة، فهو في خناق من مكابدة الخلوة وقهر النفس، وربما خيف عليه السآمة والانقطاع، فهذا يستحب أن يروح على نفسه، ويعتبر بشيء مما تستريح له النفس، ومهما وجد الترويح لها في طاعة؛ فلا يعدل عنها إلى مباح.

- ورجل بلغ النهاية حتى امتلأ باطنه من أسرار حقائق التوحيد، فسره وعلانيته، وخلوته وخلطته سواء، لاستيلاء سلطان التوحيد على باطنه، فهو ينفق منه على كل حال، فهذا مباح له الاجتماع لما ذكر.

وقد يتفق اجتماع الأصناف الثلاثة لذكر الجهر ونحوه، فحسْبُ كل صنف منهم أن يعلم بما يخص حاله مما ورد عليه أو صدر عنه، منعا أو جوازا أو استحبابا.

فصل: [آداب الذكر عشرون]:

وإذا تقرر أدب الاجتماع على الذكر؛ فاعلم أن القوم قد عدوا للذكر عشرين أدبا:

أما الخمسة التي تكون قبل الشروع في الذكر؛ فهي:

- التوبة النصوح؛ وحقيقتها عند القوم: ترك ما لا يعني قولا وفعلا وإرادة، ومعنى ذلك: أن كل شيء لا يزيد بالمريد في طريقه؛ فليتركه. قال ذو النون المصري: "من ادعى التوبة وهو يميل إلى شهوة من شهوات الدنيا؛ فهو كاذب!".

- ثانيها: الطهارة، وتعطير ثيابه بالبخور وأنواع الطيب.

- ثالثها: السكوت والسكون؛ ليحصل له بذلك [71] الصدقُ في الذكر وجمعيةُ القلب.

- رابعها: أن يستمد بقلبه قبل شروعه في الذكر من همة شيخه، بأن يشخصه بين عينيه، فيكون رفيقه في السير، ويستمد من همته.

- خامسها: أن يرى استمدادَه من شيخه هو استمدادَه حقيقةً من رسول الله e؛ لأنه واسطة بينه وبينه.

وأما الإثنا عشر التي تكون حال الذكر:

- فالأول: الجلوس جاثيا على ركبتيه كجلوس التشهد في الصلاة، على مكان طاهر.

- الثاني: أن يضع راحتيه على فخذيه مع سدل الكمين، واستُحِب أن يكون جلوسُه للقبلة، وهذا إذا كان وحده، فإن كانوا جماعة؛ تحلقوا.

- الثالث: أن يُطيّب مجلس الذكر بالرائحة الطيبة.

- الرابع: لباسُ الحلال أصلا وفرعا، فلا يلبس إلا ما أدركه من كسب طيب وليس فيه نهي.

- الخامس: اختيار الموضع المحفوظ من الريح.

- السادس: تغميضُ العينين لكي تسد طرق الحواس الظاهرة، وبسدها تفتح طرق الحواس الباطنة، وهذا إن كان في المجلس ما عسى أن يشوِّش على المريد، وإلا؛ ففتح العينين أولى؛ لتحصل الجمعية على كل حال.

- السابع: أن يُشَخِّص حروفَ الذكر بين عينيه، وهذا من أكمل الآداب؛ لأن المريد يترقى به إلى مقام المراقبة!.

- الثامن: الصدقُ في الذكر حتى يستوي عنده السر والعلانية.

- التاسع: الإخلاص فيه، وهو: تصفية العمل من كل شوب، والإخلاصُ يوصل المريد إلى مقام الصدّيقية.

- العاشر: أن يختار من صيغ الذكر: "لا إله إلا الله"؛ فإن لها عند العارفين تأثيرا لا يوجد في غيرها من الأذكار.

- الحادي عشر: استحضار معاني الذكر بقلبه على اختلاف درجات مقاصد مشاهد الذاكرين، ويجب على المريد أن يعرِض على شيخه كل شيء ترقّى إليه من الأذواق؛ ليعلمه كيف يتلقى ذلك.

- الثاني عشر: نفيُ كل موجود حالَ الذكر من القلب سوى الله سبحانه، فالله غيورٌ لا يحب أن يَرى في قلب عبده المؤمن غيرَه، ولولا أن للشيخ مدْخلا في تربية المريد وترقيته؛ ما عدوا من الأدب استحضارَه، وإنما شرطوا نفيَ كل ما سوى الله عن القلب؛ ليحصل التأثير بالذكر، وتظهر النتيجة وتسري إلى جميع الأعضاء؛ لأن القلب إذا كان خاليا عما سوى الله المحبوب؛ تمكن حبه فيه. كما أشار إليه قول القائل:


أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى



فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا



ويتعين في ذكر الجهر أن تتوافق أصواتهم، متصلة أكتافهم، جاثين على ركبهم، ميلتهم [72] ميلة واحدة كالجسد الواحد؛ لأن ذلك أبلغُ في التأثير، وسببٌ للمحبة.

قال مولانا العظيم: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}. [الصف/ 4]، وإذا خالف أحدهم؛ أن يرجع إلى موافقتهم. فإن لم يرجع؛ فقد أساء مع إخوانه؛ لأنه لا يحصل لهم الحظ التام إلا إذا توافقت منهم الأصوات وكانت ميلتُهم ميلةً واحدة. وينبغي أن ينضموا إلى بعضهم؛ لئلا يدخل الشيطان بينهم.

وأما الثلاثة آداب التي تكون عقب الذكر:

- فأولها: أن يسكت إذا سكت، قال الإمام الغزالي رضي الله عنه: "ولهذا السكتة سر كبير". وينبغي للمريد أن يراعي آدابها؛ بأن يستحضر أن الحق تعالى مطلع عليه، وأنه بين يديه، ويخشع ويحضر مع قلبه مترقبا لوارد الذكر. فلعله يرد عليه واردٌ فيعمر وجوده في تلك اللحظة أكثر مما تعمره الرياضة، فإذا ورد عليه واردُ صبر؛ فيصير صابرا، أو وارد الخوف من الله تعالى؛ فيصير خاشعا.

فإذا كان وارد صبر؛ فيجب عليه التمهل فيه حتى يستحكِم ويصيرَ بحيثُ إذا قام الوجود بالأذى لم تتحرك فيه شعرة كما لا يتحرك الجبل بنفخة ناموسة.

وهذا بخلاف ما إذا لم يترقب حصول شيء من ذلك؛ فإنه لا يحصل له تحققٌ بذلك المقام الذي أتى به. قال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين}. [التوبة/ 60]، فإن لم يكن عند الذكر له اشتياق واضطرارٌ إلى ما طلب؛ لم ينل أربه.

- وثانيها: أن يزُمَّ نفْسه مرارا بقدر ثلاثة أنفاس إلى سبعة أو أكثر حتى يدور الوارد مع عوالمه بحسب قوة عزمه. وهذا الباب أجمع القومُ على وجوبه؛ لأنه أسرعُ في تنوير البصيرة وكشفِ الحجُب وقطع خواطر النفس والشيطان.

- ثالثها: منع شرب الماء عقب الذكر، فإن الذكر يورثُ حرقةً وهيمانا وشوقا إلى المطلوب الذي هو المقصود الأعظم من الذكر، وشربُ الماء يطفيء تلك الحرارة.

فليحرص الذاكر على هذه الثلاثة آداب؛ فإن نتيجة الذكر إنما تظهر منها!.

قال في "النفحات القدسية": "رأيت الشيخ سيدي محمد الشناوي - رضي الله عنه - في المنام، فقال: أَدِّب أصحابك حتى يثمر فيهم الذكر، فإن الذكر إذا لم يكن معه أدب؛ فهو كذكر الشيطان لله عز وجل؛ لا تَرَقي لصاحبه؛ لأنه ممن سبق له الشقاء".

فينبغي لمن أراد أن تظهر له ثمرة ذلك؛ أن يقوم بهذه الآداب جميعها، ولا يُخِلُّ بشيء منها، فإن فائدة الذكر لا تظهر بدونها.

وهذا آخر ما قصدنا جمعه في هذا التقييد، نصرةً لما عليه الصوفية رضوان الله تعالى عليهم. قال تعالى: {إن [73] تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامهم}. [محمد/ 7]، ومِن نُصرته تعالى: نصرة أوليائه رضوان الله تعالى عليهم.

وقد وعد الله تعالى بنصره لنا، وبأن يثبت أقدامنا، {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد}. وقال: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله}. [إبراهيم/ 47].

جعله الله من العمل المبرور. والذي قُصد به وجه الله تعالى. ونفع به المسلمين. بجاه سيد الأولين والآخرين. صلى الله تعالى وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.والصلاة والسلام على شفيع المذنبين وعلى من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. {ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}. {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا}. {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}. {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}. {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء}. {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء}. {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمومنين يوم يقوم الحساب}. وآخر دعوانا أن: الحمد لله رب العالمين.

تقاريظ العلماء لكتاب "نجوم المهتدين"

لما كمُل هذا المؤلَّف الفريد، الذي ما على حسنه من مزيد، ووقف أئمة العلم وشيوخه بحاضرة فاس؛ كتب عليه جماعة منهم بالتصحيح والموافقة والشهادة، بأن نصوصه ومقاصده للشريعة مطابقة.

[تقريظ العلامة سيدي أحمد بن محمد بن الخياط]([7])

فأولهم وأولاهم: أكبر الفقهاء بفاس اليوم سنا، وأكثرهم تلميذا وتخريجا: العلامةُ المحقق المشارك، شيخ الشيوخ، الصوفي المُسن؛ سيدي أحمد بن محمد ابن الخياط الحسني، أدام الله النفع به. فكتب ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الحمد لله ذاكر من ذكره، وناصر من نصره، ومقرب من أطاعه وشكره، والصلاة والسلام على [74] سيدنا ومولانا محمد خير من بالهدى ودين الحق أرسله، وعلى آله الطيبين الأطهرين، وأصحابه الهداة المهتدين، وكلِّ من اقتفى أثره.

وبعد؛ فيقول كاتبه: العبد الفقير، المعترف بالعجز والقصور والتقصير؛ أحمد بن محمد ابن الخياط الحسني، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه:

قد وقفت على ما قَيَّده الأخ في الله، الشريف الأجل الماجد الأكمل، الفقيه العلامة المحدث الصالح، الشيخ المربي الناصح، ذو الشمائل الكريمة، والأخلاق الجميلة الفخيمة؛ أبو محمد سيدي عبد الكبير ابن الشيخ المربي الناصح، ذي الزاوية والضريح الواضح؛ أبي عبد الله سيدي محمد الكتاني الإدريسي الحسني، كان الله لي وله وللمسلمين، وكفانا ما أهمنا وما لم يهمنا أجمعين، في بيان ما يشهد لما اصطلح عليه السادات الصوفية رضي الله تعالى عنهم منذ قرون عديدة، من الشاذلية والخلوتية وفروعهما...وغيرهم، من اجتماعهم وعقدهم حلق الذكر على الوجه المعروف بينهم، وإنشادهم ورقص من يرقص منهم على ما هو بينهم مألوف، وذكر ما يؤيد ذلك من الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة، والانتصار للقوم والذب عنهم، وإن كانوا هم لا ينتصرون لأنفسهم؛ إذ نُصرتهم في ترك الانتصار. كما قال قائلهم:


بُح بالغرام، وبُثَّه ترتاح
واصبر على لوم العَذول، فإن إلـ



واشرح هواك، فما عليك جناح
ـقاءَ السلاح مِن المَلوم سلاح



وقد كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي - رضي الله عنه - يقول كما في ترجمته من "الطبقات": "إذا انتصر الفقير لنفسه وأجاب عنها؛ فهو والتراب سواء". وفي "الحكم" العطائية: "لا تشتغل بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك".اهـ

فاللائق بالفقراء أهلِ النسبة الربانية؛ هو: الإعراض عن المنكِر عليهم، كما هو شأنهم، وترك الالتفات إليه والإقبال على ما هم بصدده، والتظاهرُ بشعائر الانتساب رغما للنفس والشيطان، ومحبة في الله تعالى([8]).

ولكن قد أقام الله تعالى لهم من انتصر لهم وذب عنهم من أئمة كبار جلة، وفحول أئمة، لا يُحصون عدة، فألفوا في ذلك تآليف عديدة، محبةً في الله، وغيرةً على أهل نسبة الله، وتعرُّضا لنفحات رحمة الله.

ومن ذلك: هذا التأليف الجليل، المبارك العديم النظير في بابه، فهو - حسبما تصفحته جملة جملة - كتابٌ صحيح المعاني، مؤسَِّس الأصول والمباني، متسع الميدان، بالغا في استيفاء الحجج والبيان، مفتتحا بمقدمات نافعة مفيدة، مختتما [75] بشروط الاجتماع وآدابه الكثيرة العديدة...فكان رسالة جامعة دافعة، بحول الله نافعة، موفية حق البابين، معلنةً بالحق الواضح في الجهتين، تقبل الله عمله، ونفع به الفريقين. آمين. والحمد لله رب العالمين. اهـ لفظه من خطه.


([1] ) هذا الحديث رواه الجماعة في كتبهم بدون لفظة: "وإذا جلس فاجلسوا" بل ورد في البخاري1/244 ح 656: "وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا". عن عائشة رضي الله عنها، وكذا عند مسلم 5/2142 ح 5334 عنها.


([2] ) في النسخة المعتمدة "ينالوا".


([3] ) لم أقف عليه.


([4] ) السماط: الجماعة من الناس كما في "اللسان" 7/322، والمقصود: بساط الأكل.


([5] ) رواه أبو عبد الرحمن السلمي في "آداب الصحبة" عن عقبة بن عامر رفعه. بلفظ: "سيد القوم خادمهم". ولم أقف على اللفظ الذي أورده به المؤلف رحمه الله.


([6] ) "شعب الإيمان" 2/145.


([7] ) أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الهادي بن العربي بن محمد فتحا الفاسي، المعروف بابن الخياط (أبو العباس)، عالم مشارك في أنواع من العلوم كالتصوف، والحديث، والحساب، والفرائض، والأصليين، والفقه، والبيان، وبلغ مرتبة شيخ الجماعة في فاس في وقته.ولد في منتصف شعبان 1252 ، وتوفي في 12 رمضان 1343، ودفن بالرميلة من فاس. له من التصانيف في الحديث: حاشية على شرح أبي السعادات محمد بن عبد القادر الفاسي في المصطلح، وشرح على أبيات الرهوني في الأحاديث الأربعة الموجودة في الموطأ، ثلاثة فهارس، حاشية على شرح الخرشي على فرائض المختصر... انظر "إتحاف المطالع" 2/437 و"سل النصال" ص32-33 و"فهرس الفهارس" 1/387، و"شجرة النور الزكية" ص436، و"الأعلام" 1/250 و3معجم الشيوخ3 لعبد الحفيظ الفاسي ص 99




([8] ) حديث الكاتب هنا إنما هو عن المريدين والفقراء، أما الشيوخ المربين، وكبار العارفين، فمازالوا يذبون عن حياض الشريعة، والمعارف الإلهية جيلا وراء جيل، كالإمام المؤلف الشيخ عبد الكبير الكتاني قدس سره.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:08

[تقريظ العلامة سيدي عبد السلام العمراني]

وممن قرظه - أيضا - الفقيه العلامة، المؤلف المدرس، المشارك المفتي البركة؛ سيدي عبد السلام بن أحمد العمراني الحسني اللجائي. قال ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، الحمد لله رب العالمين الذي جعل للحق في كل زمن عارفين، وجعل منهم ناصرين له بألسنتهم وأقلامهم، مميزين له من الباطل بالحجج والبراهين.


إن الحق لا يخفى على ذي بصيرةٍ



وإن هو لم يَعدَم خلافَ معاند



ونصلي ونسلم على من حُفظت شريعتُه من التبديل والتغيير، إلى فناء الدنيا وإلى أن يكون للمحشر المصير. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، ما أشرق نورُ الحق وأذهب ظلمة الباطل، وأُلقِم حججا من أنكر الأشياء مستدلا بما لم يتأمله فهو أعزل، يقابل من له بسلاح يقاتل:


من أنكر الأشياء دون تدبُّر



وتأملٍ؛ فمعاندٌ مفتون



وبعد؛ فإن التأليف المحدَّث عنه في مُحَوِّل هذه الورقة وفيما قبله، تأليف العلامة البركة، الذي رأى الناس أخلاقَه الطيبة وتيقنوا فضله الشريف؛ سيدي عبد الكبير ابن الولي الصالح، الشيخ المربي؛ سيدي محمد الكتاني الحسني، أكثر فيه عن الأئمة من الأنقال، كأنه في بابه تأليفُ صاعقة العلوم الإمام ابن رحال.

فيا له من تأليف، ما أحسن ما جمع من الأحاديث وكلام أهل التفسير، وما في معنى ذلك، فهو في بابه ليس له نظير.

وكيف لا؛ وهو من صنيع من رُبِّي بلَبَان المروءة والحياء، وكمال الآداب، من بيتٍ صحيح النسب الشريف، يتوارثُ أهله أحسن الأحساب، لم يُر منه ما عُهد من الصبيان، من اللعب مع الأتراب والأقران، بل جاءه بمجرد تمييزه لزاوية أبيه من يعلمه الكتاب العزيز القرآن، ثم اشتغل بطلب العلم الشريف.

وكل هذا مع ما يناسبه من الأذكار، والقيام مع والده بالأسحار، فكانت أطوارُه مَرْضِيَّة، وأحواله كلها تابعة للطرق الشرعية. فكثرت له الأتباع، وأقبلت عليه الناس في الحواضر والبوادي بلا دفاع. ولقد أحسن [76] من قال:


ورَجِّ الفتى للخير ما إن رأيتَه



على الصير خيرًا لا يزال يزيد



ومن قال:


إذا الكرءُ أعيته السيادةُ ناشئا



فمَبلغها كهلا عليه عسير



فهو نفعنا الله تعالى يعمر أوقاته بالخيرات، بارك الله تعالى لنا وله في العمر وأطال حياته بالخيرات، وقد كنت سألتُ الفاضل البركة ذا الكرامات؛ السيد عبد الواحد بناني رحمه الله تعالى في أول معرفتي له عن الرقص في حلقة الذكر، فقال لي رحمه الله: "أُدَكِّنُ على إيماني كما يدكن الصبي على لوحه في المكتب".

ثم جالست مرة الشريف العلامة، الولي الصالح، آخر قضاة العدل بفاس؛ سيدي مَحمد – فتحا - ابن عبد الرحمن العلوي المدغري، بزاوية الشيخ أبي سالم العياشي نفعنا الله تعالى به، فذكرتُ له مقالة سيدي عبد الواحد المذكور، فتعجب من حسنها، وصار يقول لي: "كيف قال لك، كيف قال لك؟". وكان سيدي عبد الواحد المذكور يحلف لي أيمانا ويقول لي: "بالله؛ إن هذا الطريق هي طريق مولانا عبد القادر الجيلاني، وهي طريقة سيدي عبد الرحمن الشريف العمراني"، يريد ميلاني للذكر والرقص؛ لأن النفوس تنقاد لطريقة أهلها، رحمه الله تعالى.

وأقتصرُ على هذا، وأستغفر الله تعالى مما زل به القدم، أو طغى به القلم، وأصلي وأسلم على نبيه لبنة التمام، من بالصلاة عليه يحسنُ الابتداء والاختتام، e.

قال هذا المقيد وكتبه بيمناه: عبد السلام بن أحمد الحسني العمراني الإدريسي، غفر الله تعالى له ما جناه، مسلما على من يطالع الرسالة المذكورة، طالبا منه أن يدعو لي ولمؤلفها ولأحبائه وأتباعه، ويستر الجميع بستره الجميل في دنياه وأخراه.

{سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين}، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وقد تم تسويد هذه السطور في ضحى يوم الاثنين ثاني وعشرين ربيع الثاني عام 1331هـ والحمد لله رب العالمين.اهـ من خطه باختصار كثير.



[تقريظ العلامة سيدي محمد بن عبد القادر ابن سودة] ([1])

وممن قرظه أيضا: الفقيه العلامة المفتي، سليل المجد؛ القاضي المدرس سيدي محمد بن عبد القادر ابن سُودة. فكتب ما نصه:

الحمد لله الذي ألبس أولياءه ملابس الأنوار والضياء، وخلع عليهم من أردية محبته [78]([2]) حُلل المصافاة والصفاء، قد علت رُتبها على حُلل هَجَر وصنعاء.

لا إله إلا هو أقام الأحباب لخدمته بالأذكار، وقياما وقعودا في حال السراء والضراء، وألهمهم فيها شكره على الدوام، لا يحزنهم الفزع الأكبر عند اللقاء، هَيَّمَهُم في هيامه، وأغرق جنانهم في غرامه، وغمرَهم بالآلاء.

أحمده حمد معترف بنواله، وأشكره شكر عاجز عن الثناء الواجب لعظمه، وأسأله التوفيق والحفظ والرضا.

وأسأله - جل جلاله - أن يصلي ويسلم ويبارك على سيدنا محمد النبي العظيم، والرسول الكريم، القائل فيما ذكره الأئمة ذوو التقريب: "ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب"([3]).

صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وصحابته وعترته وقرابته، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما تحرك أو سكن ما في العوالم والبحر والأرض والغيب والسماء.

أما بعد؛ فقد طالعت الكتاب المسمى بـ: "نجوم المهتدين. في دلائل الاجتماع للذكر على طريقة المشايخ المتأخرين"، في النصرة لأهل الله، في الذب عن أهل "لا إله إلا الله"، بعض المطالعة، وراجعت فيه مواضع كثيرة كل المراجعة.

فوجدت أنواره لامعة، وبروقَه ساطعة، ونجومه زاهرة، ودلائله ظاهرة، وألفاظه باهرة، وجياد أقلام مؤلِّفه ماهرة، وعباراته رائقة، ومعانيه فائقة، ونقولَه محررة، هي في عين نوازله منزلة بأدلة الحق المعتبرة، أجاد مؤلفه فيما جمع، وأفاد فيما صنف حيث به الأمةَ نفع، لم يدعْ قولا لقائل، إذ [قيد][4] تلك المسائل، وأظهر فيه حسن الوسائل، وأغنى فيه كلَّ من يسائل، فيا له من طائل.

فلله دره، أكرم بمؤلفه زاد من مولي النعم خيره، وتقبل منه هذا السعي المشكور وأديم عليه بره، وأكمـد حاسده وتباعد عنه ما يضره.

كيف لا؛ ومؤلفه الهمام: شيخ المحدثين والصوفية، وشيخ الإسلام، كريم الطينتين وشريف النسبتين، إمامُ أهل الطريقة، وشيخ الظاهر، مفتي المذهبين، ولسان أهل الحقيقة برزخُ البحرين، وقمر البرين، طالعُ العلم وبحر المعارف، وجامع الفهم ومجمع العوارف:


مَن صيتُه في البرايا



يرب بكل كرامة



بدرُ الكمال الرباني؛ سيدنا عبد الكبير ابن سيدنا محمد الكتاني، إمامٌ من فيض علومه اقتبس الأكابر، ومن نقوله الصحيحة دونت الدفاتر بحسان المحابر، وفي مؤلفه يقول العبد الضعيف، بعض قول خفيف [77]:


يا حسنَهُ، والحسنُ بعض صفاته
افتَرَّ عن دُرر المعاني جيِّدا
ناهيك مِنْ نَقْلٍ صحيحٍ باهرٍ
راجعْ مسائله جميعا تستفدْ
أوَمَا كفى به آيةُ الأنفال في
مع قصة الحبَش التي قد أسندت
لاينكرُ الذكرَ المحرِّكَ وُجدِ ما
لله در مؤلف أبدى لنا
عبدُ الكبير وسيدٌ سَنَدٌ ومن
علاَّمةُ الدنيا بلا ثُنْيا له
فردُ الزمان وذو مناقب جمة
أبقاهُ مولانا هلالا باهرا
بالمصطفى خيرِ الخلائق كلِّهم
وكذا السلامُ من الإله يحفه
والحمد لله الكريم، وهذه



والحقُّ مسطورٌ به دون افتِرا
صنعٌ له، فانظر به حقا ترى
للناظرين، بلى لقد بهَر الورى
واحكُم به، والذاكرين به انصرا
تَعْدَادِ برهانٍ لديه تقَرَّرا
عند الصحيح، فحاذرَنْ أن تنكرا
في القلب إلا ذو القساوة، فاحذرا
صنعا عجيبا، باعَه به أظهَرا
مِن صدره بحرُ المعارف فُجرا
يدُ حسنِ حقٍّ بالمكارم شهّرا
كلا عُلاه قدرُها لن يُقْدَرا
أولي النُّهى، إذ فضله لن يُحصرا
صلى عليه الله ما برقٌ سرَى
والآل والأصحاب ما ماءٌ جرى
كمُلت، وظني عنده لن تُحْقَرا



قاله وكتبه: عبد ربه، وأسير كسبه؛ محمد بن عبد القادر ابن سُودة القرشي المري، لطف الله به، آمين.

[تقريظ الشيخ عبد العزيز بناني][5]

وممن قرضه - أيضا - الفقيه العلامة، المحقق المشارك، الصوفي الناسك؛ سيدي عبد العزيز بن محمد بناني. فكتب ما نصه:

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه وكل من تولاه، وما توفيقي إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما بعد؛ فقد وقف كاتبُه - سامحه [78] مولانا، وأيده وأولاه - على هذه النصرة التي ألفها سيدنا الشيخ الإمام، الفاضل المرشد، الناصح الكامل؛ سيدي عبد الكبير الكتاني الإدريسي الحسني، أبقاه الكريم هاديا، وكان له وليا. وطالعها وتأملها وتدبرها، وعلم تفصيلها وما اشتملت عليه من الاستدلالات والاستنباطات لمسألة الرقص التي كثرت فيها الأقوال والآراء، وتباين ما فيها من النص، فوجدها كفيلة بكل دليل واستنباط، متوسطة بين طرفي التفريط والإفراط، موفِّقة بين طريقي الإنكار والإقرار.

فحمل الأولى على ما اشتمل على ما يقتضي إنكار المنكرين من أهل حملة الشريعة المطهرين. والثانية على السالم من ذلك، المتوفر للشروط والآداب هنالك.

فهذا - إن شاء الله سبحانه - هو الحق في المسألة، ونصرة إحدى الطريقتين فقط، من حظ النفس والشطط، كما لا يخفى على من له خبرة بكلام العارفين الناصحين من الأئمة؛ كالعارف الرباني؛ أبي المواهب الشعراني، وناصح العباد؛ العارف ابن عباد، رضي الله عنهما ونفعنا بهما.

وفي أثناء جواب شيخ الشيوخ أبي السعود سيدي عبد القادر الفاسي رضي الله عنه، ما نصه: "فمن توفرت في حقه شروطه؛ جاز له أن يفعله، وإلا فليتركه؛ لأنه أسلم، ما لم يكن مغلوبا، وإلا فلا حرج عليه في ذلك. وينبغي التسليم وعدم الاعتراض على من فعله بنفسه، أو أمر به من أهل الديانات، وأهل الصلاح".اهـ المراد.

وبيانه وتفصيله؛ هو: جواب تلميذه الشيخ أبي علي سيدي الحسن اليوسي رضي الله عنه، ونصه: "وحاصل الفتوى فيه على الاختصار؛ أما بحسب الفاعل في نفسه: فإن نزل به أمرٌ غالبٌ لم يبق معه تمييز ولا اختيار، فلا كلام عليه حتى يفيق وحتى يرجع إلى اختياره، وهو مدفوع لما قضي عليه من محمود أو مذموم. وحقه بعد الإفاقة أن يخاف من المكر وتلاعب الشيطان، ويتعوذ بالله من شر الشيطان ويهرب من مكانه. ومتى أعجب به أو افتخر به أو عده رحمة وقربا؛ فهو دليل خسرانه!..".

"وإن هو تعاطى ذلك باختياره، واشتغل بأسبابه؛ فإن كان يرى ذلك دينا فرضا أو سنة أو شرطا من شروط السلوك؛ فهو جاهل مبتدع، إذ قد زاد في الدين ما ليس منه، وإن كان اشتغاله في وقت يضيّع فيه فريضة كالصلاة، أو يؤدي إلى تضييعها في المستقبل، أو مع كيفيات لا تحل شرعا ككشف العورة وكاجتماع الرجال والنساء، أو قصد في باطنه إلى التظاهر بالصلاح والأحوال الشريفة مع الخلو عن ذلك، واستجلاب حظوظ الدنيا من مال أو جاه، أو [79] إيهام العوام أن ذلك هو طريق الناس وشأن الصالحين، أو داخَله في ذلك اغترارٌ في نفسه أو تكبرٌ على أبناء جنسه، أو وقيعةً فيمن لا يفعل ذلك... إلى غير ذلك من العوارض المذمومة؛ فكلُّ ذلك حرام، فاعله مخدوع، تجب توبته من ذلك، والإنابة إلى الله والاشتغال بما يعني".

"وإن كان عالما هذه الأحكام، ناجيا من هذه الورطات، وإنما قصده مباسطة الإخوان أحيانا من غير إكثار، أو يطمع في حال رباني، أو يساعد من هو من أهله أدبًا معه؛ فلا بأس به، وإن كان دعاه إلى ذلك حال رباني ولا([6]) من الله يعرفه؛ فمثل هذا لا يتعرض له، فهم أعرف بأحوالهم".

"وأما المنكر عليهم؛ فإن كان من العوام؛ فحسبه الاشتغال بنفسه، وتعظيم دينه، وترك الفضول. فـ : من حسن المرء تركه ما لا يعنيه([7])".

"وإن كان من العلماء؛ فإن رأى منكرا مجمَعا عليه؛ كتضييع الفرائض، واختلاط الناس؛ فلينكر بحسب ظاهر الشريعة، وليضمر مع ذلك التفويض وحسن الظن. ولا يجزم بما يقول لسانه، فقد يكون الفاعل في الوقت مغلوبا على عقله فلا لوم عليه بوجه، ولكن الشريعة تجري مجراها. وإضمار حُسن الظن لا ينافي البغضَ في الله، كما قال تعالى: {إني لعملكم من القالين}. [الشعراء/ 168]، إخبارا عن نبيه لوط، ولم يقل: إني لكم".

"وقد نص مشايخنا - رضي الله عنهم - على أن الله تعالى يغار للمنتسبين، وإن لم يكونوا على شيء، إذا تعرض لهم بالشهوة ومقتضى الهوى".اهـ المراد.

فنحو جواب الشيخ اليوسي هو الذي يعجبني وأميل إليه؛ لما فيه من التفصيل التام، والتحقيق العام. وقد قال الشيخ زروق في "النصيحة"([8]): "وأما الفقراء؛ فيسلم لهم في كل ما لا يقتضي العلمُ إنكارَه، وما وجب إنكاره أنكر عليهم مع اعتقاد كمالهم، ولا يُنكر على فقير إلا محرَّم مجمع على تحريمه".اهـ راجع شرحها للمحقق ابن زكري.

وقال المحقق الشيخ اليوسي - أيضا - أثناء كلام له في "محاضراته"([9]) ما نصه: "إن 'عدة المريد' للشيخ زروق نافع مفيد في بدع الوقت، غير أنه صعبٌ مفتقر إلى تحقيق في المدارك وتطَلُّعٍ في العلوم وتجربةٍ تامة، فإن الأمور قليلٌ منها ما يكون أمرا حقيقيا يذم من كل وجه أو يمُدح. وأكثرها إضافي اعتباري، يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد، والأزمنة والأمكنة والأحوال..فافهم!".اهـ المراد.

هكذا[10]هكذا يكون العلم فروعا وأصولا كما هو شان أهل التقوى، السالمين من الهوى والدعوى.

وقد رُوي عن شيخ الجماعة أبي عبد الله سيدي محمد بن عبد السلام بناني رضي الله عنه أنه: كان يحضر حضرة السادات الغازيين ولا ينكر عليهم، وسألوه: "هل يجوز [80] الرقص بلا حال؟".

فأجابهم: "هل فيكم واحد له حال مع الله تعالى؟. فقالوا: بل أكثر. فقال: ارقصوا ولا عليكم؛ لأن من له حال؛ لا يخلو حاضروه منه!".

وكذلك رُوي عن المحقق الشيخ الطيب ابن كيران رضي الله عنه، أنه كان يحضر حضرة السادات الوزانيين ولا ينكر عليهم.

وقد قال في "الرسالة"[11] القشيرية، ومعلومٌ مؤلفُها فروعا ودينا وتصوفا وطريقة، ما نصه: "فالتواجد: استدعاء الوجد بضرب اختيار...ثم قال: فقوم قالوا: التواجد غير مسلَّم لصاحبه؛ لما يتضمن من التكلف ويُبعد عن التحقيق. وقوم قالوا: إنه مسلَّم للفقراء المتجردين الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني، وأصلهم: خبر الرسول e: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا"...([12]). ثم ذكر حكاية الجريري مع الجنيد - رضي الله عنهما ونفعنا بهما - فراجعه.

وقال عقبها: "فأطلق في هذه الحكاية التواجد ولم ينكر عليه الجنيد".اهـ المراد منها. قال الشيخ زكرياء في شرحها، على قول: "المتجردين"، ما لفظه: "قيل: وفي هذا نظر؛ فإن المتواجد إن كان صادقا في تطلُّب وجده؛ فلا فرق بين المتجرد وغيره في صحة تطلبهم، وإلا؛ فهو مُراء أو متشبع بما لم ينل، وكل منهما محذور، والمختار: صحة التواجد مطلقا".اهـ المراد منه.

والإطلاق هو الذي اختاره - أيضا - تلميذه العارف الشعراني قُدس سره. انظر كلامه في ذلك في "لطائف المنن"([13])، في: "منة عدم إنكاره على من يفعل الرقص حتى من أرباب الدنيا والولايات". والكلام طويل، وتمييز الحق من غيره، إنما يهتدي إليه أرباب التأييد.

اللهم أرنا الحق حقا وأعنا على اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وأعنا على اجتنابه، وأشغلنا بمصالح أنفسنا، ولا تكلنا إليها وإلى عيوب غيرنا، واملأ قلوبنا بمعرفتك وبمحبتك، ومشاهدتك ومراقبتك، وأدمنا على التسليم وعدم الإنكار، إلا ما اقتضته الضرورة إن وجدنا الفسحة والاختيار.

وسأشفع - إن شاء الله سبحانه - هذه الرسالة والنصرة بتخريج مالي في المسألة من الكتابات الكثيرة، وأسميه: "تحرير الكلام على الرقص، من جهة الآية والحديث والنص"، أو: "التحرير التام، والتفصيل العام، فيما للرقص من الأقسام والأحكام".

وكتبه مسلما على من يقف عليه: الفقير الجاني، عبد العزيز بن محمد بَنّاني، لطف الله به وبجميع المسلمين...آمين. في 11 ربيع الثاني عام 1331، رزقنا الله تعالى خيره، ووقانا ضيره. [81]


([1] ) العلامة الفقيه القاضي، أبو عبد الله. تولى القضاء بطنجة وفاس الجديد مدة، وحمدت سيرته، ودرس ونفع وانتفع به خلق، وتصدر للإفتاء فأفاد وأجاد. وكان يكثر من تدريس صحيح البخاري، وله حاشية عليه. توفي بفاس عام 1338، ودفن بروضة الشيخ ابن عباد رضي الله عنه. وهو جد صاحب "إتحاف المطالع" و"سل النصال". انظرهما تباعًا: (2/ 426)، (19).


([2] ) كذا الترقيم هنا في الأصل، وهناك بعض اضطراب في الترقيم أثبتناه كما هو.


([3] ) لم أقف عليه.


[4] في النسخة المعتمدة "فيه"


([5] ) عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن الصالح بناني، أبو رافع: فقيه مالكي فاضل، من أهل فاس، ولد سنة 1278، ولي القضاء بمحكمة الرصيف بفاس، وأعفي. وعين نائبا لرئيس المجلس العلمي بها إلى أن توفي عام 1347 هـ. له كتب، منها " إبداء التحرير في أحكام التصوير " و " إشارات الصوفية، ما يقبل منها وما يرد " و " القول المحقق في تحرير طلاق العوام المطلق ". انظر ترجمته في "إتحاف المطالع" 2/451 و"سل النصال" ص 51 و"معجم الشيوخ" ص 211 و"الأعلام" 4/27-28.


([6] ) هنا بياض في الأصل قدر كلمة.


([7] ) رواه الترمذي في "سننه" 4/558 ح 2318.


([8] ) ص 85.


([9] ) ص 207.


([10] ) هكذا كررت في الأصل.


([11] ) ص 61.


([12] ) قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/391: "عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا أيها الناس؛ ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون من النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فيسيل - يعني الدم- فتقرح العيون". قلت: روى ابن ماجه بعضه. ورواه أبو يعلى 7/161، وأضعف من فيه يزيد الرقاشي وقد وُثِّقَ على ضعفه".اهـ قال العبد الفقير: رواه ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص في "سننه" 2/1403 ح 4196 .


([13] ) ص 508.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خادم الاعتاب



ذكر
عدد الرسائل : 134
Localisation : المغرب
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س   الخميس 8 أكتوبر 2009 - 8:09

رسالة في

مشروعية الذكر بالرقص وإجماع الطرق الصوفية على ذلك

تأليف الإمام الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني

(1302-1382)

تحقيق
عدنان بن عبد الله زهار


تذييل تأليف الرقص، وهو لأعجوبة الدهر، وغرة العصر، علم الأعلام، الفارس المقدام، المشارك في العلوم السُنية، والمعارف الوهبية، الحافظ الحجة، الواضح المحجة، الشريف الأجل، والشيخ الأكمل، سيدي عبد الحي الكتاني، نجل المؤلف رضي الله عنهما. فقال:

الحمد لله؛ إن الاجتماع للذكر بصوت واحد على صيَغ مختلفة، على طريق مزج الإنشاد بالجلالة، ثم الذكر من قيام، مع الاهتزاز والتمايل، بل والرقص المعلوم على الطريق المألوفة بين أتقياء الصوفية وأهل السنة والدين منهم؛ قد أجمع على إباحته واستحسانه، بل واستحبابه: أئمةُ الطرائق، أهلُ الشرائع والحقائق، على اختلاف المشارب والأذواق.

بحيث لا توجد طريقة من الطرق الموجودة في المغرب؛ مما فُرع عن طريقة الشيخ أبي الحسن الشاذلي، التي هي في الطرق كشريعة سيدنا إبراهيم في الملل، لم تبن أمرها عليه، ولم تتخذه شعارها وعلامتها، بل وغير الطرق المتفرعة عن الشاذلي في المغرب؛ كالخلوتية وفروعها، إلا ما يفهمه بعض الناس من حذف ذلك في الطريقة الناصرية والمختارية القادرية. مع أن أئمة الناصرية والمختارية على إباحة ذلك واستحسانه أيضا.

[استحسان أئمة الطريقة الناصرية للحضرة]:

فأما الناصرية([1])؛ فناهيك بما جاء عن شيخ إمامها أبي عبد الله ابن ناصر، وهو: الإمام، شيخ الإسلام سراج المريدين؛ أبو عبد الله محمد بن سعيد المرغيتي السوسي:

ففي "الدرر المرصعة في صلحاء درعة"، للعلامة المؤرخ أبي عبد الله محمد المكي بن موسى بن محمد بن محمد بن ناصر الدرعي، في ترجمة الإمام المذكور ما نصه: "وعن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن ناصر؛ أن صاحب الترجمة كانت تعجبه الحضرة ويدخلها ولا ينفك عنها، حتى إنه كان ذات يوم في أشد المرض، فلما سمع الحضرة؛ خرج إليها ودخلها، ولما خرج منها؛ رجع لمرضه".

بعد أن ذكر صاحب "الدرر المرصعة" إثره أن الشيخ أبا عبد الله ابن ناصر ذم الحضرة لمن سأله عنها قال ما نصه: "ثم إن الفقراء اشتغلوا بها في بعض الأيام، فجاء السائل إلى الشيخ، وقال له: ما هذا يا سيدي؟. فقال له [82]: هذه الحضرة التي يعملوها([2]) عندنا، لم يحضرها شيء من المناكر. وإذا رأيت رجلا صالحا، واقفا على حدود الله، وعلى طريق مستقيم أمرهم بها أو سكت عنهم؛ فسلِّم له، واعتقد بأن مراده فيها: أن تلهيهم عن ذكر الناس بالغيبة أو النميمة، وجميع أفعالهم المذمومة".اهـ كلام "الدرر" باقتصار على محل الحاجة.

على أن مراده بالحضرة: ما لا يخلو عن[3] لعب، لا الذكر المجرد؛ كحلق أرباب الزوايا اليوم، وإلا؛ ما جعلها كذلك فقط؛ لأن الذكر في نفسه عبادةٌ مقصودة، بل أعظم العبادات. وقد أشعر بمقصوده كلام صاحب "المزايا".

وقد وقع في كلام مفخرة الطريقة الناصرية، فرد أعلام المغرب؛ أبي علي اليوسي ما نص سياقه من "المحاضرات"([4]) بعد إنشاده:


فنحن إذا طبنا وطابت نفوسنا
فلا تلم السكران في حال سُكْره



وخامرَنا خمرُ الغرام؛ تهتكنا
فقد رُفع التكليفُ في سُكرنا عنا



"غير أن هذه الغلبة لا يتحققها الجهال ولا ينظرونها. نعم؛ استدعاء حال يُرجى عنه رقة القلب وانشراحُ الصدر، وذهابُ جسارة النفس ورعونتها مع صحة القصد؛ لا ينبغي أن ينكَر، بل يلتحق بما أذن فيه شرعا".اهـ كلامه.

فهل بعد هذا بقي أن يُفتأت على الطريقة الناصرية اشتراطُ الغلبة في الوجد، أو نفي استدعاء التواجد والحال، أو إنكار عقد حلقة الذكر على الطريق المعروفة؟!.

[استحسان شيوخ الطريقة المختارية القادرية للحضرة]:

وأما الطريقة المختارية القادرية؛ فقال إمامها، عالم الصحراء ونادرتها: الشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي الوافي([5]) في كتابه: "الأجوبة المهمة لمن له بأمر دينه مهمة"، وفي كتابه: "نزهة الأسماع بأنواع السماع"، بعد ذكره أن كثيرا من المتعمقين والمتقشفين قد كرهوه وأنكروه، ما نصه: "وهذا كله غلط منهم؛ لأن ما ذهبوا إليه يُفضي إلى تخطئة كثير من أولياء الله، وتفسيق كثير من العلماء العاملين؛ إذ لا خلاف أنهم سمعوا الغناء وتواجدوا، حتى أفضى بهم ذلك إلى الصراخ والغشي والصعق"...

ثم قال بعد كلام: "واعلم أنه قد حضر السماعَ، وسمع وما قنع حتى كُشف القناع، وتواجد وتحرك كثيرٌ من الأكابر ومشايخ التابعين".اهـ كلامه الذي أطال فيه وأطاب، وملأ الوطاب.

فعلى هذا؛ قد تم انعقاد الإجماع، ولا يخفى أنه قلَّ عالم في المغرب إلا وهو متقلد [83] عهد طريق من هذه الطريق، ولا طريقة إلا واشتملت على عدة من علماء الدين وأئمته المهتدين، وكلهم كانوا يحضرون حلق الذكر للرقص والاهتزاز عند مشايخهم، فصار إجماعٌ تلو إجماع.

[أئمة المغرب كانوا يستحسنون الحضرة ويعملونها]:

وقد احتج أبو العباس ابن عجيبه على جواز الرقص بكونه: كان يُفعل بالزاوية الصقلية بفاس. وإنه لكذلك؛ إذ كان محل اجتماع فقراء الطريقة الخلوتية الصقلية على عهد مؤسسها الأكبر الشيخ أبي العباس مولانا أحمد بن محمد الصقلي القطب الشهير، معهدًا من معاهد الخير، يأوي إليه النوابغ والفحول.

ولما ترجمه صاحب "سلوك الطريق الوارية في الشيخ والمريد والزاوية"، قال ما نصه: "وكان لمولانا أحمد أتباعٌ كثيرة من الأشراف والعلماء وعامة الناس، يقيلون معه، ويبيتون ويحضرون مجالسه للذكر ولغيره"...

ثم سمى جماعة هو وغيره؛ فمنهم: شيخ الجماعة أبو عبد الله محمد التاودي ابن سودة، والفقيه الصالح الحاج بوشعيب المطيري، وعالم فاس أبو عبد الله محمد بن الحسن بناني المحشي، وعالم فاس - أيضا - أبو حفص الفاسي، والعلامة المفتي أبو محمد عبد الكريم بن علي اليازغي الفاسي، والعلامة الصالح أبو عبد الله الجنوي، والولي الصالح أبو العباس أحمد بن يونس صاحب القبة خارج باب الفتوح(، والأستاذ العارف أبو محمد عبد الوهاب التازي صاحب القبة – أيضا - هناك، وشيخ الفرد أبي العباس أحمد بن إدريس العرائشي دفين اليمن، صاحب الطريقة الإدريسية...وغيرهم من فحول ذلك العصر.

وناهيك بالأعلام الذين كانوا متمسكين بالطريقة الدرقاوية بالمشرق والمغرب؛ كشيخ المشايخ محدث فاس أبي محمد عبد القادر الكوهن صاحب "الفهرسة"، وتلميذيه عالمي عصرهما الأخوين أبي حفص عمر وأبي عيسى المهدي ابن الطالب بن سودة، وشيخهما – أيضا – الإمام مفتي المذهبين أبي عبد الله محمد الحراق دفين تطوان، وغيرهم من الأئمة الذين لا يحصيهم ديوان.

ومن اللطائف: ما كان مجيزنا محدث فقهاء المغرب أبو محمد الفضيل بن الفاطمي الإدريسي الزرهوني شارح البخاري يقول: "إن ذكروا الفقيه جَنّونمن منكري الرقص؛ حاججناهم بأن شيخ الجماعة أبا العباس أحمد بناني الفاسي رأيتُه بعيني يرتب صفوف الراقصين بالزاوية التجانية بفاس!".

[أئمة المشرق كانوا يستحسنون الحضرة ويعملونها]:

وأما علماء المشرق؛ فأهل مصر كلهم أو جلهم خَلْوَتية [84] أو شاذلية، يجتمعون على الذكر، ويهتزون اهتزازا بالغا ويرقصون، حضرت معهم وشاهدت ذلك منهم ومن غيرهم من علماء تلك الجهات بمصر وغيرها. حتى في جبل عرفة، وعشية موقفها الذي يُتقرب فيه إلى الله بأشرف الطاعات.

[جواب شيخ الإسلام أحمد زيني دحلان في النازلة]:

وقد ظفرت بسؤال قدم لعالم الحجاز وشيخ الإسلام بمكة شرفها الله؛ أبي العباس أحمد بن زيني دحلان([6]) الشافعي المذهب، الباعلوي الطريقة، يتضمن استكشافه عن قول الأئمة الأربعة وفقهاء مذاهبهم في شيخ من شيوخ الطريقة النقشبندية ألَّف رسالة ونشرها اشتملت على مصائب من جملتها: إطالة لسانه في أهل الطرق، وكفر كل من حصل له جذب وتواجد، وتمايل وصيحة. ونقل عن الطرطوشي أن: أول من أحدث الرقص أصحاب السامري...الخ ما فاه به. فهل يسوغ نشرالرسالة المذكورة؟.

فكان من جوابه:

"أما مسألة التواجد، المسمى بالرقص، الذي يفعله كثير من الصوفية حالة الذكر؛ فهي مسألة اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من حرم ذلك أشد التحريم، ومنهم من حكم بكفر فاعله..".

"لكن جماهير العلماء المحققين جوزوا ذلك، بشرط أن لا يكون بالتكبر و التثني الذي يفعله أهل الفسق. وسأذكر لك شيئا من نصوص العلماء القائلة بالجواز"؛

فمنهم: العلامة الرملي الحنفي خير الدين كما في "فتاويه". واستدل بحديث جعفر وقصة الحبشة، ثم قال العلامة الرملي: ولا يجوز الاعتراض على السادات الصوفية ولا الإنكار عليهم، وقد ورد: من كفر مسلما فقد كفر. ومن حرم الحلال وقع فيه واستوجب العقوبة والنكال. ونُقل عن العز بن عبد السلام الجواز، وقال: سماع ما يحرك الأحوال السنية، المذكرة للآخرة؛ مندوب إليه، وحقيقة ما عليه الصوفية لا ينكرها إلا كل نفس جاهلة غبية".

"سئل العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي عن هذه المسألة - أيضا - فأجاب بالجواز، وألَّف في ذلك رسالة نفيسة".

"ونُقل الجواز عن كثير من علماء المذاهب؛ منهم: الحافظ ابن حجر العسقلاني، وذكر أن رقص الحبشة بالوثبة والوجد. وللعلامة نوح رسالة في جواز ذلك، وكذا العلامة ابن كمال باشا رسالة في جواز ذلك، قال فيها: لا ينكر الوجد إلا من سُلب حلاوة الإيمان. ونظم ابن كمال باشا في ذلك بيتين [85]، وهما قوله:


ما في التواجد إن حققتَ من حرج
فقُمتَ تسعى على رِجْلٍ، وحُق لمن



ولا التمايلِ، إن أخلصتَ، من باسِ
دعاه مولاه أن يسعى على الراس
!


"وقال أيضا: إن السادات تأمر بالتواجد تكلفا بضرب من الاختيار، اقتفاء لتواجد جعفر بن أبي طالب بحضور النبي e. ولحديث: إن لم تبكوا فتباكوا([7])".

"وسئل العلامة الشيخ عبد الحي الشرنبلالي الحنفي عن ذلك فأجاب بالجواز، وقال: إن لذلك أصلا ثابتا في السنة من فعل سيدنا علي وجعفر وزيد بن حارثة".

"وذكر المناوي في "طبقات الأولياء" في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل أنه قيل له: إن قوما إذا سمعوا الذكر يقومون فيرقصون، فقال: دعهم يفرحون بربهم!اهـ

فيؤخذ منه أن الإمام أحمد قائل بجواز ذلك. وغيره خلائق كثيرة من أرباب المذاهب، سئلوا فأجابوا بالجواز".

"وسئل الشيخ أبو العز الوفائي الشافعي فأجاب بالجواز، قال: إن ذلك فعله أعلام مشايخ الإسلام؛ كالعلامة المقدسي، والعلامة الشرنبلاني، وحضر مجالسهم جهابذ حفاظ".

"وسئل الشيخ سليمان الشبرخيتيالمالكي عن ذلك؛ فأجاب بالجواز...إلى أن قال: فعلى من كفرهم بلا تأويل أن يرجع إلى إسلامه، وعلى ولي الأمر أن يدفع عن هؤلاء السادة ويكف عنهم ألسنة الجهلة المتكلمين فيهم بغير ما يجوز في حقهم"...

ثم قال: "ويجب تحسين الظن بفاعله في مجلس الذكر، ولا يجوز أن يقال: إنهم شبهوا أنفسهم بعبدة العجل، بل يجب أن تحسن الظن بهم".

"فإذا تأملت ذلك كله؛ علمتَ أن إطلاق التكفير أو التحريم المخالفِ لنصوص جماهير العلماء لا يجوز. وإن من كفر مسلما بلا عذر ولا تأويل يكون كافرا، ويجب عليه تجديد إسلامه!. وإن كان له تأويل أو عذر؛ يستتاب ويعزر التعزير اللائق به، ويزجر على ذلك وعلى تأليفه الرسالة وطبعها. فعلى ولاة الأمر أن يمنعوا ظهورها بأيدي الناس بأي طريق أمكنهم". اهـ جواب الشيخ دحلان باختصار كثير.

ثم وافقه على صحة جوابه المذكور: جميعُ من يشار إليه برئاسة العلم بمكة؛ منهم: مفتي الحنابلة الشيخ خلف ابن إبراهيم، وشيخ الخطباء بمكة السيد حسن جمال الليل الباعلوي[86]، ومفتي المالكية الشيخ محمد بن حسين، وشيخ الإسلام بمكة أيضا مجيزنا الشيخ محمد سعيد بابصيل، ومفتي الحنفية بمكة الشيخ عباس بن جعفر ابن صديق، والمدرس بالمسجد الحرام علي بن صديق كمال، وبقيةُ المدرسين بالمسجد الحرام؛ وهم: الشيخ صالح بن صديق كمال، والشيخ عبد القادر بن عبد الله شمس الدين، والشيخ أحمد أمين بيت المال، والشيخ محمد بن عبد النبي فردوس، والشيخ محمد بن محمد صالح خليفة، والشيخ حسن عرب، والسيد سلطان الداغستاني الشافعي، والشيخ خليل بن آدم النجشي، والسيد أحمد بن يحيى فيره، والسيد محمد حقي الحنفي...وغيرهم من أعلام مكة.

فحين قرَّ رأيُ العلماء الذين ذُكروا وغيرهم، على محو أثر الرسالة المسؤول عنها من الوجود، حيث إنها أوجبت إلقاء الفتن بين المسلمين؛ صدر الأمر من طرف حكومة مكة بجمع النسخ من أيدي الناس وتمزيقها، وسجن مؤلفها؛ وهو: الشيخ سليمان الخالدي شيخ الطريقة النقشبندية، حتى أصدر التوبة والإقلاع، والفتوى مع ما ذكر في اثني عشر صحيفة طبعت بمكة عام 1301هـ. فهذا إجماع تلو إجماع بعد إجماع!.

فاستفيد مما انعقد عليه إجماع علماء مكة فيما نُقل: أن الإنكار على الراقصين بغير تبين لا يجوز، وأن المشتغل بهم وبمساويهم يُزجر ويؤدب، وأن جماعة من أئمة العالم ألفوا في نحو ذلك والاحتجاج له ولو بغير غلبة.

ولذلك؛ مع ما قرره شيخنا بركة الوقت، الممدوح بكل لسان، بقية البقية في هذا العصر ممن تُرجى بركته وتغبَط مجالسته، العالم بالسنة والدال عليها، القائم ببث الشرائع والدعاية إليها، سليل الأكابر، والدنا وولي نعمتنا: الشيخ أبو المكارم عبد الكبير الكتاني الحسني الإدريسي أبًا، الحسيني الصقلي أمًّا، في كتابه الذي ظهر الآن في عالم المطبوعات، حجة للذاكرين والذاكرات، ونصرة لطرق أهل الله على اختلاف المشارب والأذواق في كل الآفاق، فناهيك به من كتاب اتضح به الحق، ولم يبق عليه غبار، وارتفع علََمه حتى في ظلام الليل ولضلال الأغمار.

[رؤيا نبوية للإمام أبي المكارم الكتاني في الموضوع]:

ومما يناسب هنا أن يُذكر ويُشهر: ما حدثنا به الأستاذ الوالد - رضي الله عنه - المرة بعد المرة، عند تعرضه [87] لقول الإمام الجنيد - رضي الله عنه - لما سُئل عن السماع، فقال: "كل ما جمع القلبَ على الله فهو مباح جائز". أنه – أي: الشيخ الوالد- رأى النبي e نوما، قال الوالد: "فألهمني الله وشرح صدري لسؤاله e عن هذه المسألة، فقلت: يا رسول الله؛ ما تقول في السماع والرقص؟. فأجابني e بقوله مرارا: الطُرق كلها مبنية على شيء واحد وهو طمأنينة القلب بالله تعالى!. هذا لفظه e، ففهمت من الرؤيا: أن السماع والرقص إنما هما وسيلة للطمأنينة. قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. [الرعد/ 28]".اهـ

[حال الرقص في هذا الزمان]:

إلا أن مما يجب أن لا يخفى، وينبغي أن يُعترف به: أنه ليس كل رقص في هذا العصر مما تشمله هذه الدلائل المشهودة، بل رقصٌ صَحبهُ شرطُه من زمان ومكان وإخوان..

أما ما يتعاطاه كثير من الناس؛ فحالة يؤسَف عليها، ويستحى منها، فهي مما ليس الكلام فيه ولا نراه خيرا.

وبالجملة: فمن حرم الرقص والسماع على الناس كافة؛ فقد أخطأ، ومن أباحه أو استحبه في كل الأحوال؛ فما ترك من الجهل شيئا، ومن جعل الناس سوا، فليس لحمقه دوا.

[لا ينتقض الوضوء بالغيبة في الذكر، وجواب الإمام أبي الفيض في ذلك]:

بقي أن يورَد هنا ما تعجرف به بعض من باع دينَه وأمته بدنياه فخسر الثلاثة، قائلا: "إن كانوا يرقصون بغيبة؛ فالغيبة تنقض الوضوء، فما لنا نراهم يصلون إثر رقصهم، ولا يجددون وضوءًا؟. وإن كان من غير غيبة؛ فهو حرام!".

وما درى الجاهل القاصر أن اشتراط الغلبة مرجوحة، وأن الرقص جائز بدونها، كما بسط الكلام عليه أئمة الطرائق، وفصل ذلك الشيخ الوالد في تأليفه الجامع.

ولو غابوا كلهم أو بعضهم؛ لم ينتقض وضوء واحد منهم؛ لقول الزرقاني في شرح "المختصر"([8]): "وظاهر خليل: النقض بزواله في حب الله، وهو قول التادلي. وهو مرجوح!. والذي لابن عمر: لا وضوء عليه".اهـ وسلمه التاودي في "طالع الأماني" بسكوته.

ولما كتب عليه الرهوني ما نصه([9]): "قال الحطاب: ما قاله التادلي هو الصواب".اهـ. رده شيخ الشيوخ أبو عبد الله جنون في اختصاره بما نصه: "قلت: بل ما لابن عمر هو الذي ارتضاه الشيخ زروق واستظهره الحطاب واقتصر عليه ابن تركي [88] في شرحه على العشماوية. وقال الصفتي: إنه المعتمد؛ لأن من غاب عقله في حب الله؛ يقظ القلبُ والفؤاد، فإنه في حالة هي غاية الطهارة، بخلاف النائم؛ فإن قلبه ليس مستيقظا. قال بعضهم: ولهؤلاء قسط وحظ من قوله e: تنام عيناي ولا ينام قلبي"([10]).اهـ

وقد كان رُفع في هذه المسألة سؤال لشقيقنا وشيخنا نادرة الدهر، أنموذج الكمال والتخصيص والاجتباء، ختم المعارف والأحوال، وجيه الدين؛ الشيخ أبي الفيض([11]) رضي الله عنه، فأجاب بعدم النقض، مؤيدا ما للزرقاني. وقد ذكر واستظهر على ذلك بنصوص المتأخرين من أئمة المذهب؛ كالزرقاني في شرح "العزية" وجعله المذهب، والرقعي في شرح مقدمة ابن رشد، ونقله عن ابن القاسم والأمير في شرح "مجموعه"، والتتائي في شرح "الرسالة"، وأبي الحسن عليها أيضا، والصعيدي في حواشي الكفاية، والسوداني على خليل، وابن عبد الصادق على "المرشد"...وغيره.

وجوابه المذكور في نحو ثلاث كراريس، بالوقوف عليه يتضح الأمر وينجلى لمريد التطويل. والسلام. قاله وكتبه محمد عبد الحي سامحه مولاه...آمين. في يوم الاثنين مهل جمادى الثانية عام 1332هـ([12]).








([1])الطريقة الناصرية، ويتزعمها مؤسسها الشيخ أمحمْد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن ناصر المتوفى سنة 1085 هـ، -انظر ترجمته في "موسوعة أعلام المغرب" 4/1583-1588 الفقيه المصلح الذي يؤثر عنه أنه يلتزم السنة، وهي الطريقة الأولى التي قيل إنها تأسست على مبادئ السنوسية المشهورة. وله بعض المؤلفات: منها "الفتاوى الناصرية". وفي عهده وعهد خلفائه (أبنائه) ازدهر الوعظ وانتشرت المدارس في القبائل بكثرة، وكان رؤساء القبائل يطلبون منه الفقهاء والأئمة لمدارسهم، ويخرج الطلبة جماعات من المدرسة الناصرية، في كل موسم (صيف) لغرضين: جمع الأعشار والمحاصيل لتمويل المدرسة، وفي نفس الوقت القيام بالتوعية والوعظ بين الناس. وتقع هذه المدرسة بإقليم زاكورة المتاخم لإقليم ورزازات في الجنوب الشرقي من المغرب، وقد انتفعت هذه النواحي كلها بالمتخرجين في هذه المدرسة.




([2]) هكذا في النسخة المعتمدة.


([3]) كذا في النسخة المعتمدة.


([4]) ص 112.


([5]) الشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي البكر الكنتي ثم الوافي الفهري –من ذرية الفاتح العربي عقبة بن نافع-، ولد بالمبروك شمال مالي سنة 1141 هـ له رحلة طويلة في طلب العلم صار بعدها عالما كبيرا في علوم الظاهر والباطن، بنى زاوية "قصر الحلة"، بلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثمائة كتاب ورسالة، توفي رحمه الله سنة 1226هـ، ترجمته في كتاب "الطرائف والتلائد" لولده سيدي محمد بن المختار رحمهم الله.


([6])هو أحمد بن زين بن أحمد دحلان المكي ، الشافعي . فقيه ، مؤرخ ، شارك في أنواع من العلوم ، مفتي السادة الشافعية بمكة المعظمة ، وشيخ الإسلام . ولد بمكة سنة 1231 ه‍ وتوفي بالمدينة في المحرم سنة 1304 ه‍ .وله مؤلفات كثيرة مطبوعة متداولة منها : "الأزهار الزينية في شرح متن الألفية" ، و"تاريخ الدول الإسلامية بالجداول المرضية"، و"فتح الجواد المنان على العقيدة المسماة بفيض الرحمن" ، و"الدرر السنية في الرد على الوهابية" ، و"نهل العطشان على فتح الرحمن" ، في تجويد القرآن ، و"خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام" ، و"الفتوحات الإسلامية" ، و"فتنة الوهابية" إلى غير ذلك.



([7]) تقدم.


([8]) 1/75.


([9]) 1/75.


([10]) رواه البخاري في "صحيحه" 3/1308 ح 3376 عن عائشة رضي الله عنها.


([11]) يعني أخاه الإمام أبا الفيض سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني قدس سره. ولم نقف على تلك الرسالة، ولا على رسالته: "شرح نتائج حلقة الذكر"، وإلا لكان الأولى إضافتهما ملحقين هنا.


([12]) في نهاية هذه الطبعة قوله: "قد طبع هذا المؤلف الفريد، المسمى بنجوم المهتدين، على نفقة خادم عتبة مؤلفه: عبد السلام بن عبد النبي الذُوَيِّب، سقاه الله من كل نشر طيب، وذلك متم جمادى الثانية عام 1332هـ".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب في مشروعية العمارة الصوفية لسيدي عبدالكبير الكتاني ق.س
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العالمي للسادة الأشراف الشاذلية المشيشية :: منتدى البرنامج التعليمي التربوي المدرس في زوايا ومراكز الطريقة الشاذلية المشيشية :: أصول الطريق ومناهج التسليك والتربية والترقية الروحية-
انتقل الى: